Home مقالات

كتب تعرض للعلاجات الجسمانية والنفسية.. ما هو رأي التحقيق في ذلك؟

كتب تعرض للعلاجات الجسمانية والنفسية
ما هو رأي التحقيق في ذلك

السيد عباس نورالدين

س: ما هو رأيكم بالكتب التي تطرح العلاجات المختلفة للأمراض الجسمانية والنفسية وحتى الأخلاقية بواسطة الآيات القرآنية أو بعض الأذكار؟

ج: بدايةً وقبل تقييم الكتب المنشورة في هذا المجال وتحديد مدى دقّتها ونفعها، ينبغي الالتفات إلى مجموعة من المبادئ الأساسية في هذا المجال.
أولًا: لا شك بوجود تراث معتد به على مستوى الأحاديث الشريفة والروايات المنقولة عن المعصومين في مجال العلاجات المختلفة للأبدان والنفوس بواسطة قراءة القرآن والأذكار؛ مما يعطي الانطباع الأولي بأنّ القضية في أساسها صحيحة وأنّ أهل البيت (ع) كانوا يشيرون إلى استعمال الذكر والقرآن للعلاج أو لتحقيق آثار معينة في عالمنا.
ثانيًا: بحسب قانون العلية في هذا الوجود، ينبغي أن تكون العلة أشرف وأعلى وأتم من المعلول؛ ولأنّ الأصوات طبيعية مادية، والنفوس مجردة مثالية، فإنّ مجرد قراءة كلمات ـ أي صدور أصوات معينة، وإن كانت مرتبطة بكلمات شريفة ومقدسة ـ من دون امتزاجها بالروح لا يمكن أن تكون علة لشيء أعلى وأشرف منها في الوجود. فالأصوات بما هي أصوات ليست علة لأشياء أعلى وأقوى منها، اللهم إلّا إذا خرجت مصحوبة بالقوّة الروحية؛ عندئذ تكون النفس في حالتها الروحية هذه، وفي استحضارها للمعاني الموجودة في الأذكار أو في الآيات الشريفة قد بعثت أو أوجدت سببًا يمكن أن يكون علة لأشياء أدنى منها.
فبحسب قواعد الحكمة التي تشير إلى سنن وقوانين الوجود، تكون النفس البشرية، لكونها مجردة أو لها نحو من التجرد (والذي يُعدّ مرتبة وجودية أعلى وأغنى)، علة للماديات أو بعض الطبيعيات في العالم المادي. ومن الطبيعي عندئذ أنّ يكون لهذه القوة الروحية التي حصلت بالذكر أو نتيجة رياضات معينة تأثيرات على الأمور الطبيعية أو المادية أو العناصر. فإذا قيل إنّ نفس معيّنة قوية قد أثّرت في عنصرٍ طبيعي (حجر أو نبات أو جسد)، فلا ينبغي أن يكون ذلك مورد تعجب واستنكار، لأنّ العالم أو الوجود الأعلى يكون علة للوجود الأدنى.
ثالثًا: قد رُوي أشياء كثيرة في هذا المجال لا سند لها أو لم يُحقّق في سندها، وبعضها رُوي تحت عنوان المجربات أو المنقولات عن أشخاص أو مؤلفين أو علماء أو غيرهم؛ وهكذا اختلط الغث بالسمين في هذا التراث الواسع؛ وما نحتاج إليه هنا هو التحقيق بشأن هذه المنقولات، حتى يميز الناس بين الصحيح والسقيم منها، وما الذي يمكن اعتماده وما لا يمكن اعتماده، خصوصًا بعد أن ثبت قيام البعض بوضع هكذا أحاديث. قرأنا مثلا عن أحدهم أنّه قام بتأليف روايات وأحاديث حول خصائص السور القرآنية ونسبها إلى رسول الله، وحين اكتُشف أمره وطولب بذلك، قال: أنا كذبت له، ولم أكذب عنه (ردًا على قول الرسول: لعن الله من كذب عني)، لأنّني رأيت إعراض الناس عن القرآن وانشغالهم بأمور أخرى! فهو يبرّر لنفسه قيامه بوضع روايات ودسّها ونِسبتها إلى رسول الله (ص). لكن المشكلة تكمن في اعتماد بعض الأشخاص لهذه الروايات من دون تحقيق، لمجرّد أنّها منسوبة إلى رسول الله؛ والأسوأ من ذلك هو وضع مجرّبات ومنقولات وكلمات إلى جانب الروايات المنقولة عن أهل البيت (ع) ـ حتى لو لم تكن صحيحة ـ حتى أنّها تكون أحيانًا مأخوذة من كتب لها علاقة باستحضار الجن أو السحر من دون تحقيق؛ وينقل آخرون عنهم أيضًا دون تحقيق.
وهكذا يتشكل تراث كبير من المنقولات المتداخلة التي فيها ما فيها، فلا يسلم هذا الموضوع الحساس أو هذه القضية من العبث؛ ويظن الإنسان أنّه طالما أنّه يعمل بما نُقل له عن أهل البيت أو عن الرسول فإن شاء الله يحصل الأجر والثواب! فهناك من يتسامح في أدلة السنن، ويعتبر أنّه إذا عمل بما بلغه عن أهل البيت، حتى لو لم يكن في الواقع مرويًّا عنهم، فإنّه يؤجر على فعله (بحسب ما جاء في رواية مشهورة). حسنًا ربما يكون هذا صحيحًا من ناحية الأجر والثواب، ولكن هل يكون كذلك من ناحية التأثير؟! فهذا أمرٌ آخر.
هنا يوجد أمامي مجموعة من الكتب تحت عنوان العلاجات القرآنية وغيرها؛ مثل كتاب "شفاء الروح" لرضا جاهد، أو "الشفاء الرباني في الطب الروحاني" لمحسن عقيل، أو "أدوية الأخلاق" للشيخ محمد عبدالله، أو "العلاج بالقرآن اكتشاف للنفس ودحر للشيطان" لأبو همام الحسيني، أو "الكنوز العلّية في العلاجات الروحية" للشيخ رضوان فقيه، أو "مجمع الأذكار والأوراد والأدعية في حل المشكلات والمعضلات الرسالية" للسيد محمد صالح العاملي. وبحسب ما يظهر إنّ كتاب السيد محمد صالح هو الأشمل من بينها والأكثر موسوعية وجمعًا وترتيبًا. ولكن هذه الكتب لم تقدم تحقيقًا وافيًا في هذا المجال، فضلًا عن التدقيق في صحة الأسانيد وتمييز الحديث الصحيح عن غيره.
فإذا أردنا التحدث عن الجانب الكمّي، نجد أن كتاب "مجمع الأذكار" للسيد محمد صالح العاملي يغني عن كل الكتب السابقة، لأنّه تقريبًا الأكثر جمعًا والأشمل والأدق من حيث الترتيب. لكن يبقى أن نلجأ إلى الأصول المذكورة فيما لو أردنا الحكم على هذا النص أو ذاك. ولا بأس بأن يقرأ الإنسان آية قرآنية أو دعاءً مأثورًا بنية الشفاء أو استجلاب التأثير من عالم الغيب، مع علمه وإيمانه بأنّ المؤثر الحقيقي هو الله تعالى، لا نفسه وقراءته.
لقد لفت نظري كتاب "العلاج بالقرآن" لأبو همام الحسيني، حيث يذكر فيه أنّه في تجاربه المختلفة كان يستحضر الجن أو كان يقرأ بعض الآيات القرآنية والسور، فيظهر الجن ويتحدث معه ويأمره بالخروج من فلان أو فلان. كنا قد عالجنا مسألة "تلبّس الجن" في مكان آخر، ولكن كل ذلك يحتاج إلى تحقيق وإلى تدقيق أكثر؛ إلا إنّ ما هو معلوم عن مراجعنا بشكل عام هو أنّهم يحرمون استحضار الجن ويجدون إشكالية شرعية في ذلك.

كتب ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center