Home مقالات

كيف تتعامل مع المرأة الأنثى؟

كيف تتعامل مع المرأة الأنثى؟
السيد عباس نورالدين

في رسالة منقولة عن أمير المؤمنين (ع) إلى ولده الحسن (ع) قال: "لَا تُمَلِّكِ‏ الْمَرْأَةَ مِنَ الْأَمْرِ مَا يُجَاوِزُ نَفْسَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْعَمُ لِحَالِهَا وَأَرْخَى لِبَالِهَا وَأَدْوَمُ لِجَمَالِهَا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ وَلَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ؛ وَلَا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا، واغْضُضْ بَصَرَهَا بِسِتْرِكَ، وَاكْفُفْهَا بِحِجَابِكَ، وَلَا تُطْمِعْهَا أَنْ تَشْفَعَ لِغَيْرِهَا فَيَمِيلَ عَلَيْكَ مَنْ شَفَعَتْ لَهُ عَلَيْكَ مَعَهَا، وَاسْتَبْقِ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً، فَإِنَّ إِمْسَاكَكَ نَفْسَكَ عَنْهُنَّ وَهُنَّ يَرَيْنَ أَنَّكَ ذُو اقْتِدَارٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَرَيْنَ مِنْكَ حَالًا عَلَى انْكِسَارٍ".[1]

سنتعامل مع هذه الرواية، باعتبار صحة نقلها عن الإمام (ع)، ونتأمل فيها من باب تبيين بعض جوانب الرؤية الإسلامية المرتبطة بحياة المرأة حين تكون زوجة بالدرجة الأساسية، ومسؤولية الرجل )الزوج(تجاهها. ولكن حتى يُفهم المراد الدقيق من هذه الرؤية ينبغي أولًا أن نقدم لرؤية الإسلام للحياة بشكل عام، سواء كانت الحياة الدنيا أو الآخرة.
بحسب الرؤية الإسلامية، من المعروف والواضح أنّ الآخرة هي الحياة الحقيقية: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ}،[2]أي الحياة الواقعية؛ وبحسب هذه النظرة ليست الدنيا سوى امتحان وممر مقارنة مع ذلك العالم، "الدنيا مزرعة الآخرة". لذا، فإنّ أي كرامة أو فائدة أو خير يصبو إليه الإنسان لا ينبغي أن يحصره في هذه الدنيا، بل كل ما يحصل عليه في هذه الدنيا يجب أن يفكر به باعتبار ما يمثّله في الحياة الآخرة؛ فالكرامة الواقعية هناك لا هنا، والكمال الواقعي هناك لا هنا. لذلك فإنّ كل الكرامات والعزة والشأنية لأي إنسان ـ كان رجلًا أو امرأة ـ في هذه الدنيا ينبغي أن يُفهم على ضوء الكرامة الأخروية. فإذا نظر الناس إلى بعض الأعمال وبعض الشؤون وبعض الإنجازات في هذه الدنيا على أنّها هي الكرامة النهائية والاعتبار الوحيد للإنسان والعزة التي يمكن أن يبلغها، فقد ارتكبوا خطأ كبيرًا.
كل شيء ينبغي أن يُقاس بالآخرة، هذه هي النقطة الأولى والأساسية؛ وإذا لم تُفهم، لا يمكن أن نفهم بقية تفاصيل الرؤية الدينية الإسلامية بشأن حياة الإنسان، فكيف بقضية المرأة؟!
بحسب الرؤية الإسلامية، تكون الأعمال في الدنيا عبارة عن وسيلة ومقدمة لتحقيق أمر أساسي يُعبَّر عنه بالتقوى والعبودية وطاعة الله عز وجل؛ وكرامة الإنسان الكبرى تكمن في إعداده واستعداده للحياة الآخرة، {تزودوا فإنّ خير الزاد التقوى}.
الإنسان الذي يريد أن يكون سعيدًا في الآخرة وتترشح سعادته على الدنيا، فإنّه بذكائه وفهمه لمعنى الحياتين يدرك جيدًا أنّ السعادة الحقيقية والفوز الأكبر يكونان في تقوى الله. فلذلك يركّز المؤمن الواقعي الذي فهم معنى الحياتين على أن يكون تقيًّا قبل أي شيء آخر، وإذا تعارضت التقوى مع العزة الدنيوية، فإنّه لا يتردد لحظة واحدة في تقديم التقوى.
لنفترض أنّ التقوى أو النجاة أو الفوز كان في أن يلزم الإنسان بيته طوال الحياة، فلا بأس بذلك، بل هذه هي النجاة؛ أو لنفترض أن التقوى أو التكليف الإلهي اقتضيا أن يكون الإنسان تابعًا لغيره بمعزل عن كفاءاته، فإنّه لن يتردد في اتخاذ مثل هذا القرار وبسهولة تامة إذا ما فهم هذه الحقيقة.
إنّ الخضوع للآخر أو ملازمة البيت أو أي شيء من هذه الاعتبارات والأمور التي ينظر إليها أهل الدنيا على أنّها مسكنة وخسارة وتضييع، لا تكون كذلك في نظر المؤمن التقي إذا ما وجدها منسجمة مع التقوى، بل إنّه لن يتردد لحظة واحدة في القيام بها، كان رجلًا أو امرأة.
إنّ قضية التبعية أو الولاية أو الخضوع والانقياد ليست مختصة بالمرأة كما يُتصوّر. فالقول بأنّ المرأة تكون ذليلة في الدنيا، وإن كانت ستكون عزيزة في الآخرة، بينما الرجل يكون عزيزًا في الدنيا والآخرة، كلام غير صحيح. فقد يكون تكليف الرجل أن يكون تابعًا أو خاضعًا أو منقادًا لشخص آخر كما يحصل في الترتيب الموجود في سلم الولاية؛ إضافة إلى أنّ الخضوع للآخر لا يكون سلبيًّا دائمًا، فالخضوع لمن هو أهم أو أعلم أو أكمل هو الطريق الصحيح للتكامل.
مشكلة الفكر الإنساني اليوم هي أنّه يعتبر أنّ مجرد الخضوع إلى إنسان آخر هو خلاف الحرية والكرامة. وعند التحليل العقلي يتبين أنّ هذا الأمر ليس دقيقًا، حيث نجد أنّ أولئك الذين يتحدثون عن الحرية المطلقة يمتلكون أعتى أنواع المؤسسات الهرمية التي تفرض أشد أنواع القوانين وتُخضع الإنسان من دون مبرر أو سبب أحيانًا؛ (كما يحصل حتى في المؤسسات البسيطة كبعض المطاعم، حيث يلزمون روّاد المطعم بلباس معيّن، وهو أمر لا يقول به أي عقل).
وحين يجري الحديث عن قضية المرأة نجدهم يتحدثون عن حريتها وعن ضرورة إطلاق العنان لها. لكنّنا نفهم جيدًا أنّ وراء هذه الدعوات نية مبيّتة، يفصحون عنها أحيانًا وتتجلى في أعمالهم وفي كل مسلكهم، وهي أن تصبح المرأة أداة وألعوبة بيد الرجل. حين تتحرر المرأة فإنّها لن تكون سوى طريدة وفريسة سهلة للرجال. إنّ وراء استخدام هؤلاء لقضية الحرية وإطلاق العنان وتمكين المرأة وإيصالها إلى أعلى المراتب الاجتماعية، التي تتوافق مع فطرة الإنسان الطالبة للحرية، خدعة كبيرة. لكن بالنسبة لمن فهم قضية الحياة الآخرة وقضية التقوى لن يرى في التزام الإنسان بيته أو خضوعه لإنسان آخر مخالفة للحرية أو التقوى أو الحياة الصحيحة الموصلة للسعادة الأبدية، لأنّ ذلك يكون وسيلة وليس غاية بحدّ ذاته.
الأمر الآخر في هذه الرؤية الإسلامية يرتبط بالأعمال الموجودة في هذه الحياة والتفاضل فيما بينها. حين تفككت الأسرة في النظام الغربي ولم تعد الأسرة أولوية في الرؤية الاجتماعية الغربية ـ لاعتبارات كثيرة لن نخوض فيها الآن ـ  كان من الطبيعي أن يحل مكانها أولويات أخرى على حساب الأسرة، والتي تُطرح تحت عنوان العمل. إذا كنت تعيش في ظلّ أيّ نظام يخضع للرؤية الغربية أو عُرف يتفاخر بهذه الرؤية، فإنّه سينظر إلى المرأة الأم أو ربّة المنزل باستخفاف وتحقير، وفي المقابل سيعظم المرأة العاملة وينظر إليها بالكثير من التقدير حتى لو قامت بأسوأ الأعمال وأبشعها كأن تكون مديرة لكازينو أو ضابطًا في الجيش، تقتل بيدها وتمارس العنف بحق شعوب أخرى؛ فطالما أنّها في مقامٍ اجتماعي مرموق وقد حققت ذاتها، بتعبيرهم، فهي بالنسبة لهم أفضل من تلك التي تؤدي دورًا يرتبط بتماسك الأسرة والاعتناء بها والزواج وما شاكل.
أمّا الرؤية الإسلامية فتقف على طرف النقيض من ذلك. فوفق منظومة القيم الإسلامية، لا يوجد عمل أهم وأولى من الاعتناء بالأسرة وتشكيلها وحمايتها وصيانتها وتكبيرها وتوسعتها؛ بل كل الأعمال الدنيوية ينبغي أن تصب في بناء هذه الأسرة وتمتينها، كان الجهاد في سبيل الله أو الطبابة أو أي عمل آخر ما لم يكن مردوده الأساسي حماية الأسرة وتدعيمها كنواة أساسية في المجتمع، فلن يكون ذا فائدة تُذكر. فلو كان لدينا آلاف الأطباء والمهندسين والضباط والمتخصصين في عالم الكمبيوتر والحسابات والتجارة، وكان لدينا أسر مفككة فهل هذا يحقق السعادة والهناء على المستوى النفسي، أو حتى على المستوى الاجتماعي الاقتصادي السليم؟! لذلك لا مجال للمقارنة بين الأعمال التي يقوم بها الناس على الصعيد الدنيوي، وبين العمل المرتبط بالأسرة؛ فكل تلك الأعمال هي مقدمة لهذا العمل(حفظ الأسرة). فحين يخرج الرجل من بيته متاجرًا أو مجاهدًا أو مزارعًا أو لأي سبب آخر، ينبغي أن يصب المردود الأول والناتج الأساسي لحركته ومساعيه في إطار أسرته.
الأسرة القوية هي المدماك الأساسي للمجتمع. فالمجتمع السعيد هو عبارة عن أسر سعيدة؛ والمجتمع القوي هو عبارة عن مجموعة من الأسر السعيدة والمتينة، وليس عبارة عن أسر مفككة ومؤسسات ضخمة وأعمال رائجة واقتصاد مزدهر، فهذا خلاف الواقع تمامًا.
إذًا إنّ عمل المرأة أو الرجل أو أي إنسان بما يخدم هذه الأسرة يكون أفضل وأشرف الأعمال بحسب هذه الرؤية؛ وبناءً عليه حين يتم الحديث عن مسؤوليات المرأة الأساسية داخل الأسرة، فإنّ ذلك لا يكون من باب التحقير أو الحديث عن شيء دنيء أو قليل القيمة، بل على العكس.
بعد أن وضعنا الأسرة وخدمتها، بدءًا من الزوج ومرورًا بالأولاد وما ينتج عن ذلك على مستوى توسعة الأسرة فيما بعد، في الدائرة العليا للأعمال والمسؤوليات، فما هو الدور الأمثل للمرأة داخل هذه الأسرة؟
بالتأمل في هذا الحديث والقيم الدينية الأخرى، نجد أنّ الإمام علي (ع) يريد أن يجعل المرأة أكثر فاعلية داخل الأسرة، كون هذا الدور هو أفضل وأشرف دور لها والأكثر تأثيرًا في حياة الأسرة؛ وذلك من خلال تأمين الراحة النفسية لها أولًا (كانت زوجة أو أم)، وأن تكون في أفضل حلّتها وبهائها وجمالها على المستوى الجسدي والهيئة ثانيًا. فما يريد الإمام قوله ها هنا هو أنّه كلما قدّمنا لهذا المخلوق ما يجعله مرتاحًا، فإنّ ذلك سينعكس إيجابًا على الأسرة وسيكون أفضل لها. فلماذا تحمّلون الزوجة مسؤوليات تؤثر على دورها الأساسي كأنثى؟ فالمرأة بجمالها ووداعتها وعذوبتها وحالتها النفسية المستقرة هي أفضل رصيد للأسرة؛ وتكون بمنزلة مصدر الطاقة الكبير الذي يستقر بسببه الرجل والأولاد، وتنعم الأسرة بأفضل حياة معنوية وحتى مادية.
إذًا نحن حين نفهم ماهية المرأة أولًا، وأنّ لديها هذا الرصيد وهذه الإمكانيات الهائلة التي تتمثل بالأنوثة بكل معانيها، فلماذا نعطّل هذا الرصيد وهو أفضل رصيد للأسرة؟ حين تكون الأم مرتاحة البال، فإنّها ستعطي العاطفة المطلوبة للأولاد، فلماذا نرهقها بمسؤوليات تربية الأولاد ونحمّلها تبعات مشاكلهم وأخطائهم ومشاغباتهم، في حين أنّ ما يحتاج إليه الأولاد هو الأم العطوف؟
فلنترك مسؤولية التأديب والحزم والهيبة إلى الأب، وهكذا تكتمل الأسرة بأن يكون فيها هذان القطبان: قطب جاذب وقطب طارد. لا يعني ذلك أن لا يكون الأب عطوفًا أيضًا، لكن ما يظهر من جانب الأب من تأديب وحزم هو جانب الجلال، وما يظهر من الأم الزوجة هو مظهر الجمال، وبذلك تكتمل الأسرة وترتقي.
إذا فهمنا هذه المبادئ، عندئذ نفهم جيدًا ما كان يوصي به هذا الإمام العظيم بشأن المرأة: حفظها وصيانتها نفسيًا وعاطفيًّا وجسديًّا لكي تبقى على تألقها وعلى تقديم هذا النوع من الخدمات المؤثر جدًّا في الحياة.
بعد ذلك، ما يشير إليه الإمام بشأن قضية استمداد المرأة للقوّة أو الطاقة، إنّما يكون أيضًا بفضل قدرة الرجل على حفظها وصيانتها وبقائه أيضًا على قوّته وقدرته. وما يريد الإمام أن يوصي به الرجال ها هنا هو أنّهم ينبغي أن يمثلوا الجانب الذي يصون الزوجة ويشعرها معه بالقوة والاقتدار والراحة النفسية والحصانة.
فلا تتخلى أيها الرجل عن دورك هذا، ولا تُقلل من شأنه، ولا تظهر بغيره! إياك أن تُشعر زوجتك بأنّك ضعيف أو مستخف ببعض أمورها وأحوالها ومشاعرها. فليكن لك الإحاطة والاستيعاب لهذه الزوجة؛ فهذا ما تحتاج إليه المرأة حتى تتألق أكثر فأكثر!

 

[1]. الكافي، ج5، ص 510.

[2]. سورة العنكبوت، الآية 64.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center