Home مقالات

تحريف عقيدة المصلح عند المسلمين.. وما هي النتائج التي تترتب عليها

تحريف عقيدة المصلح عند المسلمين
وما هي النتائج التي تترتب عليها

السيد عباس نورالدين

قد يتعجب أي إنسان حين يسمع أميرًا سعوديًّا بارزًا يسخر من عقيدة المهدي التي لها حضور واسع في التراث السنّي الحديثي (أحصى البعض أحاديث المهدوية في النبويات فبلغت ما يناهز الأربعة آلاف رواية)؛ لكن لا ينبغي أن يستمر عجبه حين لا يسمع أي اعتراض يصدر عن شخصية علمية بارزة في هذا الوسط السني العام. فما الذي حدث حتى يسهل على رجل سياسي لا علاقة له بالدين والفقاهة أن يظهر هذه العقيدة وكأنّها غير موجودة في ضمير ووجدان السنّة في العالم؟! أم هي واقعًا كذلك، لكنّنا نحن الذين نصر على قراءة الواقع بصورة خاطئة؟!
أتذكر في حداثة عمري كيف راج الحديث عن الإمام المهدي واشتعل بين الشباب كالنار في الهشيم في الوسط السني البيروتي حيث درست وأنهيت المرحلة الثانوية في مدارس المقاصد الإسلامية. كان الجميع تقريبًا يتناولون هذه القضية ويتفاعلون معها بنحوٍ أو بآخر؛ وكان الاعتقاد بقرب ظهور هذا الإمام يقوى بين الشباب وهم يطالعون التحولات الكبيرة التي كانت المنطقة تشهدها في ذلك الحين (لا ننسى مدى هول الصدمة التي تولدت عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وإن تبين بعدها وقوع تحولات أكبر وأكبر وما زالت مستمرة).
إنّ تجاوز هذا العدد الكبير من الأحاديث والروايات المنسوبة لرسول الله نبي الإسلام ليس بالأمر السهل، اللهم إلا إذا كانت مقدمات هذا الاستخفاف والتجاهل قد تحققت ونحن لا نشعر. وأولى هذه المقدمات على ما أعتقد ترجع إلى أنّ قضية الإمامة ليست مطروحة في الفكر السني على مستوى العقيدة والأصول، مما يسمح بشكل طبيعي أن تكون عرضة لأي نوع من الاجتهاد حتى لو وصل إلى الإنكار؛ فالإمامة هنا تُعد من الفروع؛ وليست أي فرع، بل ذلك الفرع الذي وجدناه يتعرض لأكبر عملية تشويه وتحريف، لم نجد لها مثيلًا في أي أمر فرعي أو عبادي في الإسلام. وقد وصلت عملية التحريف هذه إلى الحكم الشرعي بوجوب مبايعة الإمام أو ولي الأمر، ولو كان جائرًا، والحكم على من يخرج على السلطان بالكفر والردة، ولو كان هذا السلطان يعيث في الأرض بكل أشكال الفساد والظلم، وذكروا أنّ الصبر عليه ممّا يستوجب لصاحبه الجنة.
وقد استمرت عملية العبث بهذا الأصل الإسلامي المهم ـ رغم قوة حضوره في الوجدان المسلم ـ مدفوعة بمجموعة من القضايا التي نُسجت حوله، كضرورة أن يكون للمسلم بيعة لإمام المسلمين في عنقه، وأنّ المسلمين لا يجوز لهم أن يبقوا بلا إمام ثلاثة أيام متواصلة، وغيرها من القضايا التي ترسخت في الفكر السني على مدى التاريخ.
ولا يخفى أّن طريقة تناول قضايا العقيدة كانت ومازالت عند جمهور واسع من علماء المسلمين تخضع لعملية الاجتهاد الفقهي، حتى صارت بمثابة الأحكام الشرعية. ومن الطبيعي أن يتمكن السلاطين من التصرف بهذه العقائد الشرعية انطلاقًا ممّا يرونه من "مصلحة لعموم المسلمين"، ومنعًا من شق العصا وتمزيق الصفوف، كما حصل في العديد من القضايا الكبرى في الإسلام. (وليست قضايا المرأة والنوادي الليلية في مناطق الحجاز اليوم إلا أنموذج آخر لما كان يجري على مدى التاريخ).
في بيئة هذا الفكر، يمكن للسلطان أن يحرّم حلال الله ويعاقب عليه، كما فعل خليفة المسلمين الثاني بشأن المتعتعين، لأنّه الأدرى بمصالح المسلمين؛ والأهم من ذلك لأنّه ظل الله على الأرض، ولأنّه لا يمكن أن يصل إلى الحكم لولا إرادة الله (تطبيقًا وتفريعًا لعقيدة الجبر، التي سادت في هذا الوسط).
وهكذا استطعت بعد مرور عدة عقود أن أفهم كيف انطفأ الحديث المتأجج حول الإمام المهدي في مدرستي آنذاك بين عشية وضحاها، وكأن شيئًا لم يكن؛ فقد جاءت التعليمات المباشرة من أولياء الأمور في الحجاز، وهي تحذّر من مغبة نشر هذه العقيدة، لأنّ مؤداها سيكون لنفع الشيعة بالخصوص (فالإمام المهدي باعتراف الجميع هو من سلالة الرسول الأكرم)!
حين نجعل الدين بأيدي السلاطين، وحين لا نشترط في السلاطين العلم والفقاهة والنزاهة، فما أسهل أن يصبح الدين "أسيرًا في أيدي الأشرار يُعمل فيه بالهوى وتُطلب به الدنيا"،[1] كما قال أمير المؤمنين عليه السلام واصفًا ما حدث في الزمن الذي أوصل إلى الثورة على الخليفة الثالث؛ وما أسهل أن يتم التلاعب بالعقائد وتحريفها على أيدي هؤلاء المستبدين؛ فكيف إذا كانت هذه العقيدة مجرد فرع تفصيلي يخضع لاجتهاد المجتهدين!
هكذا تم القضاء على ثقافة، كان لها من الحضور والتأثير بحيث تسببت في قيام أشهر الثورات والانتفاضات على مدى التاريخ؛ والحديث هنا عن الوسط السني.
أمّا التحريف والتلاعب بعقيدة الإمام المهدي عند الموالين والمحبين لأهل البيت (عليهم السلام)، فقد بدأ أولًا من التساهل والتسامح التحقيقي والعلمي الذي نتج عن حرص بعض الأعلام وسعيهم الحثيث لتأييد عقيدة الشيعة حول المهدوية وتثبيت حقانيتها. فقد اعتمد بعض العلماء والكتّاب الشيعة على وجود هذا الكم الكبير من الروايات المنسوبة إلى النبي الأكرم في كتب المخالفين لإثبات أنّ الإمام المهدي ليس فكرة ابتدعها الشيعة (وهذا استدلال متين وعقلاني، نظرًا لتوافر كل عوامل وبواعث الإنكار والتحريف في الطرف الآخر)؛ بَيد أنّ هذا التساهل التحقيقي بشأن هذا التراث الكبير ـ والذي أدى إلى إغفال بعض أهم بواعث الدس والوضع والإختلاق للروايات المرتبطة بهذه القضية ـ جعل بعض المؤلفين والكتّاب يتبنون، عن غير عمد، اتّجاهات مخالفة تمامًا لعقيدة المهدي ومهمته الأساسية في هذا الكون.
حين انتشر الاعتقاد بضرورة خروج إمام مهدي من سلالة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بين عامة المسلمين، بدأ الطامحون للسلطة والمطالبون بالتغيير السياسي والاجتماعي، في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، يرون في هذه العقيدة فرصة لكي يستقطبوا الجماهير لتعمل وفق أجندتهم. ولذلك لن نعجب إذا وجدنا أنّ العديد من الروايات المرتبطة بالإمام المهدي قد وُضعت في أزمنة الثورات والانتفاضات المختلفة على الأمويين أو العباسيين؛ بل إنّ بعض قادة تلك التحركات لم يرعووا عن وضع الروايات التي تصب في مصلحتهم وتنطبق عليهم. وهكذا ظهر في الوسط السني نفسه عشرات الأشخاص الذين ادّعوا المهدوية.[2]
ومع مرور الزمن وانحصار البحث حول هذه العقيدة في إطار الإثبات والنفي الكلامي، وانعدام البحث السياسي والاجتماعي والأخلاقي التربوي، والتساهل بشأن الجوانب الرجالية والسندية، أضحت هذه الروايات بالنسبة لبعض الشيعة بمنزلة الثوابت التي تبرز بنفسها كمفسر لكل تحول اجتماعي سياسي كبير؛ كما شاهدنا في أيام غزو العراق للكويت وقضية الخراساني واليماني والنار المشرقية.
وقد فسح هذا التساهل والتقصير في التحقيق الجاد العميق المستوعب للقضية، المجال للكثيرين أن يفسروا عقيدة المهدوية للناس بالطرق التي تتناسب مع مصالح بعض السياسيين والحكام. فقد ذكر وزير داخلية رضا بهلوي، حاكم إيران في النصف الأول من القرن العشرين، في مذكراته كيف أنّ الشاه قد استدعاه ذات يوم وسأله عن المهدي من هو (وهذا يكشف عن مستوى جهل هذا السلطان المستبد)، فأخبره بأنّه ذلك الرجل الذي يعتقد الشيعة في إيران بأنّه سيخرج ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا؛ فتفطّن ذلك السلطان الجائر ـ ولعلّ ذلك لأسباب ترجع إلى ما كان يصله من تقارير حول قيام بعض العلماء بتحريض الناس على جوره وظلمه انطلاقًا من تلك الروايات ـ إلى أنّ هذه العقيدة تهدد سلطانه ولا شك، فقال لوزيره إنّ عليك أن تذهب وتنهي هذه العقيدة إلى الأبد.
بالتأكيد لم ينجح الشاه في الكثير من سياساته العلمانية والمناهضة للدين وللمهدوية، والتي مارسها تقليدًا لنظيره أتاتورك في تركيا؛ وقد أودت به سياساته الأخرى المؤيدة لهتلر إلى أن يُعزل من قبل أسياده البريطانيين ويُنفى، ليأتي بعده ولده محمد رضا بهلوي وينتهج سياسات أشد مكرًا وخبثًا؛ وكان من هذه السياسات التظاهر بالتدين وتجيير الدين لمصلحته (ويذكر محمد رضا شاه في مذكراته كيف أنّه رأى منامًا وشاهد فيه الإمام المهدي!). وبالفعل وجدنا بعد ذلك، كيف نشأت تلك الجماعة التي عُرفت في إيران بالحُجتية (نسبة للإمام الحجة) وكانت من أكثر الجماعات تأييدًا للحكم البهلوي الجائر ومعارضةً لتحركات الإمام الخميني وثورته.
أجل، لقد قامت هذه الجماعة بتفسير العديد من الروايات والأحاديث المهدوية لأجل تثبيط الناس عن الثورة والقيام، ونجحت إلى حدٍّ ما في اختراق البيئة العلمية والدينية، وترك أصحابها العديد من الآثار الفكرية التي ما زال لها حضور خفي إلى يومنا هذا؛ وهي ظاهرة تحصل أينما وجدنا الساحة فارغة من الخطاب العلمي المتين.

 

 

[1]. نهج البلاغة، ص 435.

[2]. انظر موسوعة الإمام المهدي، الجزء الثاني.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center