Home مقالات

معضلة الكتاب المدرسي.. لماذا ينبغي أن لا يكون هناك كتاب مدرسي؟

معضلة الكتاب المدرسي
لماذا ينبغي أن لا يكون هناك كتاب مدرسي؟

السيد عباس نورالدين

لعب الكتاب المدرسي دورًا مهمًّا في تقديم المعارف الميسرة في مختلف المراحل المدرسية، بأسلوبٍ يزيل عن كاهل الطلاب الكثير من الجهد؛ لكنّه في الوقت نفسه أدّى دورًا سلبيًّا للغاية يمكن اختصاره بأنّه ضيّق أفق التلميذ وأضعف دور الكتاب كمصدر للمعرفة.
غالبًا ما ينظر تلميذ المدرسة إلى الكتاب على أنّه المرجع الوحيد للمعرفة. فقد تم إعداد الكتب المدرسية لتكون مغنية وافية في الظروف التي لا يمكن للتلميذ أن يصل إلى أي نوع من المصادر المعرفية المرتبطة بالقضايا التي يدرسها.
العصر الذي بدأ فيه إعداد الكتب المدرسية كان عصرًا يتميز بصعوبة الوصول إلى المعلومات؛ وكان على معدّي المناهج المدرسية أن يأخذوا هذه الصعوبة بعين الاعتبار؛ ثم تغير الزمان ولم يتغير الكثير مما يرتبط بهذه الذهنية. فقد أصبحنا في عصر المعلومات بعد حدوث تلك الثورة بواسطة التطورات التكنولوجية الهائلة؛ ولم تعد مشكلة الإنسان في الوصول إلى المعلومة، بل في كثرة المعلومات التي تصله؛ أما الكتب المدرسية فلم يطرأ عليها أي تحول ينسجم مع هذه الظاهرة الكبرى.
تعمد معظم الأنظمة التعليمية ومؤسساتها البائسة إلى حصر المعرفة في إطار المدرسة كجزءٍ من نهج الاستبداد المهيمن على عقلية مدرائها. فالتلميذ ينبغي أن يكون ملكًا للمدرسة تعلّبه وتقولبه كيفما تشاء، ولو كانت النية النجاح المتميز في الإمتحانات الرسمية.
لهذا، نجد الأكثرية الساحقة من خرّيجي هذه المدارس لا تربطهم أي علاقة بالكتاب، وإنّما يرونه كجزءٍ من النظام القمعي أو الكبت الذي عاشوه. (كنّا نشاهد طلاب بعض المدارس يحتفلون في نهاية العام برمي كتبهم وتمزيقها في باحات المدرسة).
تناست المدرسة التحولات المهمة التي حدثت على صعيد المعلومة ليس فقط من جهة سهولة الوصول إليها (فهذا أمر واضح للجميع اليوم)، بل من جهة نوعية عرضها في الوسائط المختلفة والتي تطورت تطورًا نوعيًّا على مستوى الإخراج والإنتاج.
إنّ فيلمًا سينمائيًّا واحدًا بإمكانه عرض منهاج التاريخ بأسره بصورة أفضل وأيسر للطالب من كل ما يضطر لقراءته في الكتاب المدرسي. وتحفل الإنترنت اليوم بآلاف مقاطع الفيديو التي تشرح كل ما يمكن أن يندرج في منهاج العلوم. فما من تجربة علمية أو مخبرية إلا ولها عشرات الشروحات المصورة الجذابة السهلة على الشبكة العالمية. ومع ذلك، يندر أن نجد من يسعى للاستفادة العملية من هذه النتاجات التي تصب في عملية تسهيل التعليم إلى أبعد درجة.
أطفالنا الصغار يتقنون اللغة العربية الفصحى في مدة وجيزة عبر مشاهدة قنوات الأطفال التي تعرض مئات البرامج والأفلام؛ كل ذلك يجري بصورة أسرع وأيسر من قضاء سنوات منهكة في المدرسة؛ ويندر أن نجد من يستفيد من هذه الإمكانات لتطوير تعليم اللغة.
لا يدرك الكثير من المعلّمين والمدراء أنّ بإمكان الأدوات الحديثة للعرض القيام بدور تعليمي باهر. فحين نطلب من التلامذة إعداد مقطع فيديو حول أي موضوع ـ وذلك بواسطة استخدام الأجهزة الذكية ـ نفعّل عملية البحث والتفكير والاستيعاب بصورة تتجاوز في آثارها أضعاف ما يمكن أن يحصل عبر المذاكرة التقليدية.
إنّنا حائرون نتردد بين تحريم الإنترنت والعجز عن الحد منها؛ وسوف يمر زمنٌ طويل ونحن نعيش هذه الحيرة حتى ندرك أنّ الكثيرين سبقونا بأشواط تضاهي الفارق بين السنة الأرضية والسنة الضوئية؛ كل ذلك لأنّنا نشأنا على النظر إلى التكنولوجيا كأداة للفساد وكل شيء في هذا المجال يكون محاطًا بعقلية الحظر والتحريم. ثمّ يأتي زمن وإذ بنا نستعمل هذه الوسائط في كل شؤون حياتنا، لكن يكون للآخرين قصب السبق ونعود مرة أخرى للاتّباع والتقليد.
إنّ ما يمكن أن تقدمه هذه التكنولوجيات من إمكانات تعليمية يجعل الكتاب المدرسي بمنهاجه وأساليبه الحديثة مجرد أوراق مضحكة، تكون في أحسن الحالات عبارة عن أجندة مدرسية لتنظيم عملية التعلّم والرجوع إلى المصادر.
على الحكومات والمؤسسات التعليمية المقتدرة أن تفكر جيدًا في إنتاج الأفلام والمواد الإعلامية التي تختصر الكثير الكثير من جهود الطالب والمعلّم، وتسرّع من حركة التلميذ على طريق المعرفة؛ وبذلك نختصر الكثير من النفقات. تصور لو أنّ الحكومات أنتجت أفلامًا تاريخية درامية مبنية على تحقيقات رصينة ومتناسبة مع الارتقاء المعرفي؛ فهل سنحتاج إلى مئات آلاف الساعات المدرسية التي يتم هدرها في المدارس كل عام؟!
كل العالم يتجه اليوم نحو التعلّم الذاتي؛ وعاجلًا أو آجلًا ستحدث هذه الثورة التي تجعل المدرسة بنظامها الحالي شيئًا من الماضي؛ لكنّ خوفنا هنا هو أن يفرض علينا الآخرون وللمرة الرابعة مثل هذه المناهج المتطورة التي تجعلنا في موقع المتفرج والمستهلك بدل المنتج والمبدع.
لذلك ينبغي التفريق جيدًا بين هدفين:
الأول: ما يرتبط بإيصال المعلومات وتفاعل الطالب معها فهمًا وحفظًا واستعمالًا؛
والثاني: ما يرتبط بربط الطالب بمصادر المعرفة التي يُعتبر الكتاب ركنًا أساسيًّا فيها؛ حيث ينبغي ترسيخ الكتاب كمرجع لا غنًى عنه للوصول إلى المعرفة والتعمّق والتعبير ـ سواء كان الكتاب ورقيًّا أو رقميًّا.
أمّا ما يحصل اليوم، وبسبب ضياع الكتاب المدرسي، فهو شيء لا يحقق كلا الهدفين ويترك الطالب مجردًا إلا من بعض المعرفة التي تمكنه من النجاح في الامتحانات الرسمية التي هي مهزلة التعليم اليوم.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center