Home مقالات

القيادة الحائرة بين القيم.. ما الذي ينبغي أن نقدّمه لتحقيق التقدّم؟

القيادة الحائرة بين القيم
ما الذي ينبغي أن نقدّمه لتحقيق التقدّم؟

السيد عباس نورالدين

يمكن تقسيم القيادات المخلصة الحريصة على تقدّم مجتمعاتها وازدهارها إلى نوعين:
الأول، القيادة التي تستغرق في مراضاة الناس على حساب أي شيء آخر.
والثاني، القيادة التي تعتمد منهج العدالة.
قد يُقال للوهلة الأولى بأنّه لا يُفترض بهذين النهجين أن يتعارضا، لأنّ حفظ البقاء وتماسك الصفوف يسمح لازدهار القيم. بَيد أنّ التأمل في الواقع يشير إلى أنّه قد يفرض في كثير من الأحيان حصول التعارض والاختيار بينهما. فلماذا يحدث ذلك وما هي آثار ذلك على صعيد تقدّم المجتمع؟
العامل الأول وراء حصول التعارض يرجع إلى قوة القيادة، سواء كانت هذه القوة ذاتية ترتبط بشخص القائد وإمكاناته وقدراته، أو كانت ناشئة من حجم تأييد الناس وإطاعتهم له. فحين يرى القائد نفسه ضعيفًا (أي لا يُطاع فيما يحب ويرغب) فإنّه قد يلجأ إلى استمالة قلوب الناس
؛ وهكذا يخضع شيئًا فشيئًا لمعاييرهم وآرائهم، فيصبح هو المقود بدل أن يقود، ويتحول إلى دور الحارس المحافظ على الأوضاع. وكثيرًا ما برر هؤلاء القادة مثل هذا النهج بأنّهم إن لم يفعلوا ذلك انفضّ الناس من حولهم وتفرقوا إلى أحزاب وجماعات.

ولأنّ للناس معيارًا واضحًا للقيادة ولإدارة الأمور، وهو الطمأنينة للشخص والثقة به، فإنّهم يضغطون باتّجاه تعيين من عرفوه منذ القدم، على قاعدة "شخص تعرفه خير من ألف شخص لا تعرفهم". وهكذا يصبح معيار تعيين المسؤولين في مختلف إدارات المجتمع أو المنظمة عبارة عن الأقدم والأشهر (المقبولية مقابل الكفاءة). وقد واجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) صعوبة بالغة ومشاكل جمة واعتراضات مقلقة من عدد من صحابته المقربين حين قام بتعيين أسامة بن زيد على رأس الجيش الإسلامي الذي أراد بعثه في مهمة كبرى؛ كل ذلك بحجة أنّ أسامة شاب حدث السن. والواقع، إنّ تعيين أسامة لم يكن بالنسبة للمعترضين سوى تهديد للأعراف التي أرادوا ترسيخها في بنية القيادة المستقبلية للأمة الإسلامية، والتي تتواءم مع الأعراف الجاهلية وتستجلب أكبر عدد من المسلمين في المستقبل القريب؛ كون هؤلاء المسلمين في أكثرهم حديثي عهد بالدين وقيمه. وهكذا يضطر النبي الأكرم أن يعلن موقفًا صارخًا شديدًا بقوله "لعن الله من تخلف عن جيش أسامة". بحسب ما اشتُهر.
القيادة التي تلجأ إلى الأقدم والأشهر كشرطٍ أساسي لتعيين المسؤولين بدل تعيين الأعلم والأكفأ، إنّما تعبّر عن ضعفها الذي نشأ من رغبة عامة الناس أو الخواص في مشاركتها صناعة القرار؛ ولأنّ هذه الطبقة تكون في العادة مهتمة في الحفاظ على الأوضاع القائمة، تتخوف من التغييرات الجذرية التي غالبًا ما يأتي بها الأعلم والأكفأ.
هذا النوع من القيادة قد يحفظ الوحدة الداخلية، لأنّه يؤلف قلوب وجهائها ولا يستفزهم؛ لكنّه يتعارض مع مبدإٍ أساسي أُشير إليه في الحديث المروي عن الشَّيْخُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، قَالَ: "أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهَمْدَانِيُّ بِالْكُوفَةِ وَسَأَلْتُهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَسَّانَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ):
.... وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ):"مَا وَلَّتْ أُمَّةٌ أَمْرَهَا رَجُلًا قَطُّ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ إِلَّا لَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ يَذْهَبُ سَفَالًا حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى مَا تَرَكُوا".[1]
فكيف تكون القيادة الحافظة للوحدة عاملًا للانحطاط؟ وهل يمكن الخدش في هذا الحديث رغم قوّة سنده؟
والواقع، إنّ التأمل في قضية الأعلمية (التي تُعد أبرز عنصر في الأكفئية)، لا يبقي أدنى شك بأنّ أي مجتمع أو جماعة إنّما تسير في مهاوي التسافل نتيجة عدم اتّباع نهج القيم.
إنّ قضية الأعلمية هنا هي قضية عقلائية يمكن أن ندركها من خلال التجربة؛ وذلك لأنّ المحرك الأول للنشاط الإنساني الإيجابي هو الذي يتغذى من منظومة القيم؛ فإن انعدمت هذه المنظومة ولم يجرِ العمل بها في إدارة الأمور ضعُف هذا المحرّك وانطفأ. ولا يمكن لأي جماعة أن تتحرّك على طريق التقدم الحضاري في جهادها الإلهي من دون أن تعتمد في نهجها على تغليب القيم. وهكذا، فإنّها سرعان ما تضطر إلى تغليب عنصر آخر هو الدافع المادي ومحفزاته المختلفة من المال والجاه والإمكانات.
إنّ الوحدة الداخلية قيمة عظيمة، لكنّها قيمة مقدماتية؛ لأنّ قيام المجتمعات وبقائها إنّما يكون على قواعد السعي نحو التقدّم والازدهار لا مجرد البقاء. فالوحدة عامل البقاء، لكن البقاء مقدمة للازدهار؛ فكيف إذا كان الازدهار عنصرًا جوهريًّا للبقاء!
إنّ بقاء التجربة الإسلامية اليوم مرهون إلى حدٍّ كبير في تقديمها للنموذج الحضاري الرفيع؛ حيث تتظاهر القوى المعادية والمعارضة لها بتقديم النموذج القيمي الأرقى، وعلى رأس ذلك تغليب عنصر الكفاءة والأعلمية؛ وحتى كبار قادة المجتمع المسلم يسلّمون اليوم بأنّ الجيوش الأمريكية والإسرائيلية والأوروبية تعتمد بشكل أساسي على تعيين الأكفأ.
من هنا، فإنّ جوهر الصراع اليوم لا يدور حول القوة المادية والعسكرية والأمنية وحتى الاقتصادية، بل حول التفوق القيمي. ولا يمكن لأي جماعة أن تبقى طالما كان البقاء (الذي يُعبّر عنه بالصمود والثبات!) هو هدفها النهائي.
إنّ حفظ الوجود إنجاز كبير في معارك التهديد الوجودي، لكنّه مقدمة لشيء أعلى. والقيادة التي تنسى هذه الحقيقية وتجمد على هذه السياسة، إنّما تخاطر بهذا الهدف نفسه وتجعل جماعتها عرضة للتشتت وضعف العزيمة وقلة الإنتاجية.
لأجل ذلك يمكن أن نقول أنّ نهج الوحدة هو نهج يصلح بصورة مؤقتة، ويجب أن يعبر بنا إلى نهج القيم.
والعامل الثاني وراء اعتماد النهج الأول للقيادة هو القناعة التي تتشكل عند هذه القيادات بشأن دور الأعلمية في إدارة الأمور. فغالبًا ما يكون الأعلم مبدعًا؛ ونحن نعلم ما في الإبداع من استفزاز ومخاطرة وجهد وإمكانات. وأهم ما فيه هو أنه يتحدى القيادة نفسها؛ فإن لم تكن هذه القيادة من النوع المبدع شعرت بالخطر على نفسها قبل أي شيء آخر.
إنّ البيئة التي تنشأ فيها الشخصيات القيادية تؤدي دورًا أساسيًّا في تقبّل الإبداع والروح الثورية؛ فإن كانت بيئة علمية ترسخت فيها أولوية تقديم رأي القدماء والأقدمين، ولو في عالم الاجتهاد والاستنباط، فمن الصعب أن تميل إلى الإبداع الذي يشتبه عندها بالبدعة ـ التي يكون صاحبها في النار!

يصبح الإبداع مقبولًا لأنّه سيكون نتيجة حتمية لاعتماد مبدأ الأعلم، وذلك لأنّ معارضة الأعلم إنّما تنمّ عن سفاهة شديدة للنفس. فمن الذي يتحيّر في تقديم الأعلم، سوى من أضاع بوصلة القيم في هذه الحياة؟!
إنّ اعتماد نهج المحافظة على الأوضاع يؤدي إلى خطر عظيم وهو أنّه يقضي على بيئة نموّ الأعلم بعد أن يطرد كل أعلم. وحين تقع المصيبة وتظهر كل دلائل وآثار التسافل في المنظمة والمجتمع، يبحث القائد عن الأعلم ليخلصه من ورطته فلا يجده؛ فيقول مبررًا "لو كنت أجد أفضل من هؤلاء القوم لما ترددت في تعيينهم وتوليتهم على الأمور".

فهل يوجد مخرج من هذا المأزق الكبير؟ وهل هناك طرق لعلاج هذه المشكلة؟
شاركونا آراءكم، تؤجرون إن شاء الله
.

 

 

[1]. الأمالي، الطوسي، ص 566.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center