Home مقالات

التربية اللغوية أو تعليم البيان.. ودور القرآن في تكميل القوى الإنسانية

التربية اللغوية أو تعليم البيان
ودور القرآن في تكميل القوى الإنسانية

السيد عباس نورالدين

{الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنْسان‏ * عَلَّمَهُ الْبَيان}.[1]

ليست اللغة مجرّد وسيلة للتواصل والتفاهم بين البشر، بل هي إحدى أفضل طرق تنمية العقل وسائر القوى الإنسانية الأصيلة أيضًا. إنّ الطفل الذي يمتلك الذكاء اللغويّ أو البيانيّ سيكون صاحب استعداد مميز للتفوّق والتطوّر بسرعة وسهولة في أنواع الذكاءات والمهارات المختلفة. والمقصود بالذكاء اللغويّ سرعة الوصول إلى المقصود من المفردة المعروضة وسرعة استخراج المفردة المناسبة للعرض والبيان. وهذا الذكاء، وإن كان في قسمٍ منه موهبة ووراثة، لكنّ القسم الأكبر منه قابلًا للتحصيل بواسطة التربية، التي يهمّنا أن نفسح مجال الحديث عن أصولها وأساليبها وطرقها.
 إنّ أحد أهم الأسباب التي تقف وراء هذه العلاقة الوطيدة بين الذكاء اللغويّ من جهة، والآثار والثمار المعرفية والمهاراتية والنفسية المرتبطة بتكميل القوى من جهة أخرى هو: إنّ بإمكان هذا الإنسان التواصل مع عقول العلماء وكذلك الاتّصال بقلوب الحكماء (الذين يُظهرون علومهم ويعبّرون عن حكمهم بواسطة الألفاظ والكلمات). وكلّما ازدادت مهاراتنا اللغوية وقدراتنا البيانية نزداد قدرة وإمكانية لتحقيق التواصل الفعّال مع هؤلاء، فتزداد فرصنا للوصول إلى تلك المعارف والحكم.
فبواسطة فهم مراد أهل العلم، نصل إلى علومهم؛ واللغة هي مفتاح كل ذلك.
ولا ننكر بأنّ قسمًا مهمًّا من العلوم البشرية يجري التعبير عنه بواسطة الرموز والمعادلات الحسابية، كالفيزياء والكيمياء وحتى الاقتصاد وما يحصل في بعض العلوم الإنسانية، حيث لا يمكن لمن لا يتقن مبادئ الرياضيات أن يفهم منها شيئًا؛  لكن هذا لا يعني أنّه لا يمكن التعبير عن هذه العلوم والاستنتاجات بطرق غير حسابية وغير رمزية. كما إنّ قسمًا عظيمًا من المعارف والحقائق جرى التعبير عنه بواسطة الألفاظ والكلمات فقط. وإذا أردنا الوصول إلى هذه المعارف والتوصّل إلى هذه الحقائق، فما علينا إلّا أن ندرك معاني تلك الكلمات والمراد من ألفاظها.
 ولا يخفى أنّ أحد أهم أسباب الضعف والقصور التعليميّ في مناهجنا المدرسية ـ وحتى الجامعية ـ يرجع إلى ضعف حضور التعبير اللفظيّ والشرح البيانيّ اللغويّ لتلك المعارف. فلا ينشأ الطالب على أساس أهمية الكلمات والشروحات اللفظية للقضايا والمعارف المعروضة؛ وإذا وُجدت مثل هذه الشروحات والبيانات في متون الدروس، فلا يتم تعويد الطالب على الاستفادة منها، فضلًا عن ضعف طرائق التدريس على صعيد تقوية المهارات اللغوية نفسها. ناهيك عن مشكلة اللغة الأجنبية الثانية، التي لا يمارسها الطالب في حياته وفي تعبيراته اليومية، ومشكلة قلّة البلاغة في البيان والشرح نفسه.
ولو عملت مناهجنا التعليمية على ترسيخ دور التعبير اللفظيّ، حتى عن حقائق الكيمياء والفيزياء والأحياء، بل الرياضيات أيضًا، لشاهدنا تطوّرًا نوعيًّا في التعلّم والمهارات الفكرية والتحليلية.
 على المعلّمين والمربّين الذي يؤمنون بدور اللغة والبيان اللفظيّ في التربية والتعليم والتكامل أن يضعوا هدفًا واضحًا نصب أعينهم، وهو عبارة عن تمكين المتربّي من فهم المقصد الدقيق والمراد الجدّي للمتكلّم والكاتب؛ وأن يكون الهدف الأعلى في ذلك الوصول إلى مستوى فهم مراد أصحاب العقول الكبرى من كلامهم، والذين ـ لحسن الحظ ـ يُفترض أنّهم يلتزمون منهاجًا لغويًّا سهلًا، بعيدًا عن التعقيد والغموض؛ لأنّ العاقل كلّما ازداد عقلًا ازداد فصاحةً وبلاغةً وقدرةً على التعبير عن مراده ومقصده.
 ويجب أن نؤمن بأنّ أعظم ظهور لفظيّ للعقل الكامل، الذي أدرك جميع حقائق الوجود، هو القرآن المجيد، الذي هو الكتاب العربي المبين. بل إنّ كتاب الله، وإن كان قد تنزّل بقالب الحروف والألفاظ لكنّه أعظم من العقل الأكمل نفسه. ولهذا، فإنّ التربية التي تقوم على أساس تمكين الطفل والمتربي من لغة القرآن هي التربية الأعلى والأرقى والأقوى. وسوف نوسّع الكلام في هذا المجال إن شاء الله.
إنّ كتاب الله العزيز قد حوى كلّ الحقائق والمعارف التي يحتاج إليها كل من الفرد والمجتمع لتحقيق سعادة الدارين؛ وإنّ من يروم ويطلب ما وراء القرآن فقد ضلّ وهلك. وفي الحدّ الأدنى، فإنّ حقائق القرآن تُعدّ بمثابة البنية التحتية الوحيدة التي تتكفّل بتأمين تلك السعادة. ومن لم يبنِ صرح حياته وحياة مجتمعه على قواعد القرآن ومعارفه، فلن يتمكّن من تحقيق التقدّم والازدهار المستديم والرفاهية الواقعية والسعادة المطلقة والفوز والفلاح الأبديّ.
أمّا مفتاح فهم القرآن وباب الوصول إلى حقائقه هي لغة تُسمّى بالعربية لأنّها واضحة معربة، وفي الوقت نفسه هي لغة ذات نظامٍ خاصّ يتميّز بأصالة عجيبة وسهولة فريدة وسلاسة مدهشة. وعلى التربية البيانية أن تتوجّه لاكتشاف هذا النظام اللغويّ الخاصّ داخل التراث اللغويّ العربيّ الشائع والمتشتّت والمتخبّط، عسى أن تنفتح بذلك أبواب معارف القرآن وحقائقه في ظلّ التمسك بعروتي حبله الوثقى.
إنّ من أعظم إنجازات القرآن الكريم، منذ بدء نزوله وإلى يومنا هذا، هو أنّه حفظ للّغة العربية نظامها الأصيل، الذي يُفترض أنّها بدأت منه وانبثقت عنه؛ ولهذا النظام دورٌ مذهل على صعيد تشكّل العقل البشريّ وتطويره وتربيته.
 لكلّ لغة منطقها الخاصّ ودورها المؤثّر في البنية العقلية والتحليلية؛ لكنّ منطق العربية القرآنية متميز بقدرة عجيبة في تحقيق أعلى درجات العقلانية بسرعةٍ مذهلة. فإن كنتم تريدون لأبنائكم أن يكونوا أذكى الأذكياء وأعقل العقلاء فابنوا بنيان تعبيرهم وفصاحتهم وبلاغتهم على قواعد منطق القرآن ونظامه اللغويّ الأصيل. وقد أُشير إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون‏}.[2] فهناك علاقة وطيدة بين اللغة العربية (بنظامها المحفوظ والمستودع والظاهر في القرآن) وبناء التعقّل وتكميل القوى العقلية عند الإنسان. ورغم كل العبث الذي حدث في الجاهلية واشتدّ على مرّ العصور وبلغ أوجه مع التدخّل الاستعماريّ الخفيّ والسافر في العصر الحديث، فقد استطاع القرآن الكريم أن يحفظ ذلك النظام (البيانيّ المنطقيّ) إلى يومنا هذا، كونه كان مصونًا من التحريف اللفظي أبدًا: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُون}.[3]
وفي ظلّ السعي لفهم مقاصد آيات القرآن، بالاهتداء من نور هذا النظام الفريد فقط، يمكن تكميل العقول والقوى الفكرية والتحليلية بصورة غير مسبوقة. فالقرآن الكريم لا يتضمّن ذكر المعارف وبيان الحقائق الهادية فحسب، بل يطرح منهاجًا فريدًا وطريقًا متميّزًا للوصول إليها؛ وذلك عبر نظامه ونهجه اللفظيّ الخاص. وحين نضع أبناءنا على سكّة التكامل القرآنيّ، فإنّنا نكون بذلك قد وضعناهم على طريق الوصول إلى أعظم المعارف والحقائق، في الوقت نفسه الذي نسرّع من تكاملهم العقليّ والفطريّ والخياليّ.
إنّ بحثنا هذا يلتزم الاختصار، وإلا لكان من اللازم أن نفصّل الكلام حول هذه القضية المحورية في التربية. وما يبعث على الأسى هو أنّنا لا نشاهد بوادر انبعاث حقل تربويّ يعتمد هذه النظرية منذ أن نزل القرآن نفسه؛ وبسبب ذلك، علينا أن نعترف في البداية أنّ هذا المنهج التربويّ اللغويّ يتطلّب من المربّين الانتباه الفائق والاعتناء اللائق بالمبادئ التالية:

  1. استقلالية النظام اللغويّ القرآنيّ واستغناؤه عمّا سواه: فنحن لن نحتاج إلى غير القرآن من شعر وأدب وتراث لفهم عمق معاني كلماته وألفاظه، لأنّه كتاب يفسّر بعضه بعضًا. وكلّ غامض ومُبهم في لفظٍ قرآنيّ، سنجد مفتاح كشف مدلولاته في القرآن نفسه. ولا يعني ذلك طبعًا أن نغضّ النظر عن الحديث والتراث، لكن علينا أن نتذكّر أنّ القرآن هو المرجعية الأولى والأخيرة في هذا المجال.
  2. إنّه كلام الحكيم المطلق: وهذا يعني أنّه تعالى يكون في كلامه بصدد إيصال المعاني بأفضل وأيسر طريقة إلى كل معني بالخطاب. وعليه، فلا مجال لأي إبهام أو إيهام أو تضليل.
  3. إنّه كلام القدير المطلق: وهذا ما يتجلّى في قدرة المتكلّم به على الوصول إلى الكلمة المناسبة دومًا. فهو تعالى غير مضطر لاستعمال كلمة بقصد كلمة أخرى، كما يحصل للشعراء في تنظيم القوافي ورعاية الموسيقى والعروض. وفي كل آية قرآنية لن يكون هناك كلمة أبلغ وأفصح من الكلمات المستعملة فيها.
  4. إنّه كلام يفوق عقولنا: ويستلزم هذا أن لا نفرض آراءنا على القرآن، حين نعجز عن فهم بعض معانيه ومدلولاته. وتفوّقه على عقولنا لا يعني أنّه معارض للعقل، بل يعني أنّه بهذه الحقيقة يريد أن يرتقي بعقولنا عسى أن تبلغ كمالها، وهو المسمّى بالعقل الفيّاض المطلق وأمثاله.
    فإذا كنّا نرى القرآن يصف المعاد ويوم القيامة والحياة الآخرة ولقاء الله بأنّها أمور لا ريب فيها، ثمّ وجدناه يصف المؤمنين الفائزين في ذلك العالم بأنّهم كانوا يظنّون أنّهم ملاقو ربّهم، وفاجأنا هذا التعارض، وتساءلنا كيف يكون اليقينيّ الذي لا ريب فيه عند هذه الجماعة المؤمنة مورد ظن؟ فلا ينبغي هنا أن نفسّر الظن باليقين، ونقول بأنّ الله تعالى قد قصد بكلمة الظن معنى اليقين. فهذا نوع من الانحراف عن النظام القرآنيّ، الذي ذكرنا أهم مبادئه. وللأسف، فقد حدث هذا الانحراف وهو يحدث كثيرًا. وبسبب ذلك نُحرم من الكثير، بل ينسدّ علينا بابٌ عظيم من المعارف الكبرى.
    فلو أمعنّا النظر قليلًا لوجدنا أنّ المعاد أمرٌ يقينيّ عند المؤمنين، لكن حين يتعلّق الأمر بأنفسهم ومصيرهم، سواء من ناحية الوصول إلى لقاء الله أو من ناحية الحساب، فإنّه من الطبيعيّ أن يعتريهم الظن، لأنّ هذه قضية شخصية؛ وفيها يحتمل العقلاء العارفون بحقائق الآخرة أنّه من الممكن أن لا يبلغوا تلك المقامات، بل ربما لن يبلغوا شيئًا. فظنّهم الذي هو احتمالٌ كبير ـ بخلاف الشك الذي هو احتمال صغير أو متوسط ـ يدلّ في الواقع على نوع بشرى حصلوا عليها ورجاء كبير في نفوسهم، رغم أنّهم ما كانوا يرون اللياقة والاستحقاق لأنفسهم.

فلو أنّنا التزمنا بهذه المبادئ، لوجدنا أنفسنا نسلك طريق التكامل اللغويّ والبيانيّ والعقليّ والفطريّ، وما ينجم عنه من آثار معرفية ومعنوية لا يمكن تخيّلها.

[1]. سورة الرحمن، الآيات 1- 4.‏

[2]. سورة يوسف، الآية 2.

[3]. سورة الحجر، الآية 9.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center