Home مقالات

الشرط الأول للازدهار الاقتصادي... القضاء على فضول الأعمال

الشرط الأول للازدهار الاقتصادي
القضاء على فضول الأعمال

السيد عباس نورالدين

تكابد حكومات العالم الحر من أجل تحقيق الازدهار المستديم الذي يضمن الاستقلال لمجتمعاتها ويحفظ هويتها وكرامتها. ليس هناك ما هو أخزى من أن يخضع شعب بأسره لإملاءات الأجانب ويسلّم إرادته للقوى المستبدة التي ستعيث فيه فسادًا واستغلالًا لا مثيل له.. كل شيء جميل تتم التضحية به على مائدة شياطين الاستعمار والاستكبار.
أما الوصفة العلاجية، فقد أصبحت مهترئة إلى الدرجة التي لم يعد يؤمن بها حتى أصحابها، الذين ظنوا يومًا أنّه يمكن تحقيق الازدهار وفق نمط العيش المادي العابث والشهواني.
لقد أثبتت الأرض نفسها مدى حماقة تلك المعادلة السميثية التي تقول إنّ إطلاق العنان للسوق وتحريره من أي تدخل حكومي يكفي لتحقيق الازدهار. فما تشهده الأرض من اضطرابات مناخية نتيجة الاحترار والانبعاثات الكربونية ـ وما هو أخطر منها ـ في الأجواء يتسبب سنويًا بخسائر تصل إلى عدة ترليونات من الدولارات، الأمر الذي يتكفل بإبطاء عجلة أي نمو مهما كان قويًّا، ناهيك عن التسبب بشلل العديد من المجالات الحيوية.
لا يهمنا أن نخاطب أتباع النظرية الاقتصادية الرأسمالية، لأنّنا لا نتوقع من ضيّقي البصر والبصيرة أن يروا ما هو أعمق من الاقتصاد في الحياة البشرية. لكن عتبنا الكبير على من يسعى للتحرر من هذه الأطر النظرية التي بُنيت على أركان أيديولوجية لا شك في بطلانها وخوائها.
عتبنا على من لا يقدر على تصور المعادلة الاقتصادية البسيطة وهي أنّ أي مجتمع بشري حقيقي يتوافر على جميع الإمكانات والاستعدادات لتحقيق الازدهار الذي يقضي على الفقر وآثاره النفسية والصحية والبيئية والاجتماعية.
عتبنا على عجز هؤلاء الذين تعرفوا إلى نمط العيش الإسلامي، ولا يشيرون إلى أنّ الكثير من الإنتاج والعمل الاقتصادي ليس سوى عصا في عجلة النموّ والازدهار.
وأول ما ينبغي أن يلاحظه كل مراقب حصيف هو أنّ الكثير من الأعمال الاقتصادية وغيرها تذهب نتائجها هدرًا وتؤدي إلى شلّ حركة النموّ؛ وأنّ التخلص من هذه الأعمال والأنشطة هو المقدمة الضرورية للانطلاق الصحيح نحو أعلى مراتب الاقتصاد.
الذين يحلمون بتقليد النموذج الغربي للنشاط الاقتصادي لا يلتفتون إلى العوامل الأساسية وراء الثراء الظاهري والمشاكل الحادة التي تعاني منها اقتصاداتهم. فقد عمد الأوروبيون أينما كانوا إلى نهب ثروات العالم بصورة لا يمكن أن تخطر على بال، وراكموا من المال والإمكانات على مدى قرون، ما يجعل أي مشروع اقتصادي أمرًا ممكنًا مهما كان ضخمًا (فيتصور الساذج أنّ إدارتهم وسياساتهم كانت ناجحة). مثلما يحدث اليوم لأي مؤسسة من مؤسساتنا حين نضخ فيها الكثير من المال فجأة وتحقق طفرةً من الإنجازات، فيظن البسطاء أنّها مؤسسة ناجحة وتغيب عن بصرهم عيوبها البنيوية؛ حتى إذا عصفت بها رياح التقشف المالي وجدناها تترنح في مشاكل وعقومات لا نهاية لها.
إنّ التأمل في العديد من مصائر المؤسسات الأمريكية، التي كانت مدرجة على قائمة فوربس لأشهر المؤسسات وأكثرها نجاحًا، يبين أنّ معظمها قد انتهى إلى الفشل الذريع، ولم تكن "الإدارة الناجحة" لرؤسائها لتسعفها بعد أن تبخرت الرساميل والاستثمارات الهائلة التي حصلت عليها في ذروة الخداع الأمريكي المعروف.
لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق الازدهار وفيه نسبة تزيد عن الثلاثين بالمئة من الأنشطة ذات طابع إهداري وعبثي.. ناهيك عن الطابع المدمر والفاسد مثل اقتصاد الخمور والإباحية والقمار والدخانيات والألعاب.
 صحيح أنّ سوق الإباحيات في العالم تحقق عوائد تقدر بمئات مليارات الدولارات سنويًّا، وصحيح أنّ مواقع الإباحية على الشبكة العالمية كما يقول "بيتر نواك" مؤلف كتاب: sex, bombs and hamburger، قد فاقت السبعة وتسعين مليار دولار سنويًّا، وهو الرقم الذي يزيد عمّا تحققه أكبر شركات الإنترنت في العالم مثل غووغل وأبل وآمازون وإي باي وياهوو...؛ لكن هذه الأرقام تذهب بمعظمها إلى جيوب عدد محدود من الرأسماليين الذي يكدسونها في البنوك أو ينفقونها على اليخوت الباهظة والشقق الفارهة. ولو تأمّلنا فيما تتسبب به هذه السوق على مستوى الهدر والتضييع والخسائر والأضرار المختلفة، التي تؤدي إلى تراجع النموّ الاقتصادي في أي مجتمع تحل فيه، لأدركنا أنّ في المقابل أضعاف ذلك الرقم على المستوى السلبي. وباختصار إنّ الخسائر الناجمة عن كل نشاط غير مطلوب هي أكبر بدرجات من العوائد التي تنجم عنه.
 تشير بعض الدراسات أنّ الاقتصاد الأمريكي يتكبد سنويًّا ما يزيد عن الخمسين مليار دولار بسبب التعطيلات الناجمة عن الإصابة بالإنفلونزا (الزكام الشديد)؛ وهو مرض يتفاقم بشكل أساسي بسبب نمط العيش القائم على العبثية وشرب الخمر والتدخين والسهر المفرط. ويا حبذا لو قامت بعض المؤسسات المقتدرة بجمع الأرقام المختلفة للخسائر الناجمة عن كل أشكال الأنشطة العابثة وغير المصيبة في شتى مجالات الحياة!

لو قُدر لأي مجتمع مسلم أن يتخلص من مثل هذه الجهود والأعمال والممارسات، لانتقل في ظرف سنة واحدة إلى مستوى الازدهار النموذجي.. ولا نتحدث هنا عن تلك الأعمال التي يضطر الناس إليها وتؤدي إلى تلك الخسائر والأضرار، فهذه تأتي في المرحلة اللاحقة؛ بل نتحدث عن الأعمال التي يمكن الإقلاع عنها مباشرة، أو من خلال تدابير حكيمة وحازمة.
الكثير من إهدار الجهود يحصل بسبب الأمراض التي يمكن اجتنابها بسهولة أو التي لا ينبغي الإنفاق عليها بحسب النمط الغربي (هل تعرفون حجم الإنفاق على علاجات السرطان العشوائية والفاشلة؟) والكثير من الجهود المبذولة هنا يصرفها الأطباء أنفسهم وتُصرف عليهم لإعدادهم. ولو اجتمعت جهود ثلث هؤلاء الأذكياء وصُرفت في مجال نافع لنهض الاقتصاد كله. فالمعروف عن شخصية الأطباء المثابرة والذكاء (وهما من أهم المهارات التي تحتاجها الاقتصادات).
الكثير من الجهود تُهدر على التعليم بسبب اعتماد المنهج الغربي للمدرسة والجامعة؛ ولو استطعنا أن نعيد صياغة المناهج التعليمية لتتوافق مع طبيعة النمو السليم للإنسان وقلصنا التعليم المدرسي من خمس عشرة سنة إلى اثنتي عشرة سنة لمنعنا من إهدار مئات مليارات الدولارات.
لو أنّنا جعلنا الكثير من العقوبات الجنائية في الخدمات العامة بدل زج أصحابها في السجون مع ما فيها من إنفاقات هائلة من المال العام، لاستطعنا أن نحول الكثير من صحارى بلادنا إلى جنائن. واللائحة تطول.
إنّ أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه الحكومات هو أن تعمل على تأمين الوظائف بدل تأمين الأعمال المطلوبة التي تصبّ في خدمة الازدهار الواقعي لا الوهمي. فبعض الحكومات، ولأجل تحصيل أكبر عدد من الناخبين في صناديق الاقتراع، تلجأ إلى حشو البلاد بمئات آلاف الوظائف التي لا تؤدي إلا إلى فلج الاقتصاد على المدى المتوسط؛ في حين أنّ ما تحتاج إليه البلاد هو توجيه الجهود نحو الأعمال اللازمة بمعزل عن كونها وظائف تدر على أصحابها المال المباشر.
 إنّ أفضل مثال على ما نرمي إليه هم المشايخ الذين لا يشغلون وظائف محددة وليس لهم نقابات وتأمين اجتماعي مؤسساتي وطبابة، لكن عملهم يؤدي إلى تحسين وضع الناس الاقتصادي بصورة يمكن القول أنّها من أهم عوامل النمو. فأينما حل الشيخ العامل المهتم بمجتمعه وجدنا أنّه يؤدي إلى تفتح المشاريع المختلفة وانبعاث النشاط الاقتصادي؛ علمًا أنّ الشيخ لن يرتزق إلا من خلال ما يقدمه الناس له من تبرعات. وهكذا تتحسن معيشة المشايخ من خلال عملهم التبليغي والديني الذي كان يؤدي إلى تحسين معيشة مجتمعهم.
أولئك الذين يعملون على خلق الفرص من خلال شق الطرق الوعرة أو الطرق التي لم يسلكها أحد (على صعيد النشاط الاقتصادي) هم أكثر الناس استفادة من عوائد عملهم هذا، بشرط وجود منظومة أو نظام سليم يتمكن من استثمار جهودهم التقدمية والإبداعية.
لأجل ذلك، أتمنى أن يعمل مسؤولو النظام الإسلامي على تقييم كل الجهود الاقتصادية وتحديد ما يؤدي منها إلى الهدر على المستوى المعيشي والبيئي والصحي ويتسبب في إبطاء عجلة النمو وتأخيرها، على أمل أن يعملوا على القضاء عليها ليكون ذلك العامل الأول لتحقق الازدهار المستديم.  

 

 

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center