Home مقالات

ما يعين الأطفال على التفكّر العميق

ما يعين الأطفال على التفكّر العميق
السيد عباس نورالدين

تهدف التربية العقائدية إلى حثّ الطفل على التفاعل الفكريّ الإيجابيّ مع آيات الله في الآفاق ـ التي تشتمل على كل ما هو تكوينيّ طبيعيّ وسماويّ ـ وفي الأنفس ـ التي منها الظواهر الاجتماعية وحوادث التاريخ ـ من أجل الوصول إلى رؤية كونية منطقية، تجيب عن الأسئلة المصيرية في الحياة.
والتربية العقائدية هي مقدّمة أساسية للتربية الإيمانية أو عملية صناعة الإيمان وتقويته؛ وذلك لأنّها تحقّق أمرين مهمّين:
الأول،
الثبات النفسيّ الذي يحصل جرّاء الخروج من الحيرة الحاصلة من الجهل والعجز عن تفسير قضايا الوجود الكبرى.
والثاني،
العلم الذي يدعو إلى العمل، حيث يكون تطبيق مقتضيات العقيدة سببًا لتحقّق الإيمان وازدياده.

حين يصبح أبناؤنا قادرين على تفسير معنى الوجود ومغزاه والهدف والحكمة من الحياة، ويتمكّنون بفضل ذلك من استيعاب القضايا الكبرى والاستدلال عليها بصورةٍ منطقية عقلية، فإنّ نظرتهم إلى كل ما حولهم ستتميّز بإيجابيةٍ وتفاعلٍ فكريّ، ممّا يزيدهم إقبالًا على البحث عن أسرارها ومعانيها. وبعبارةٍ أخرى، إنّ رحلة اكتشاف حقائق العالم المذهلة والمترابطة ستنطلق باندفاعة قوية، لتجعل من حياتهم سفرًا ممتعًا يتضمّن تجارب عميقة تضفي عليها بهجات ولذّات لا توصف.
إنّ امتلاك رؤية كونية متينة وعقائد منطقية بشأن قضايا الحياة الكبرى، مثل المبدأ والمعاد، ليس سوى مقدّمة تمثّل قاعدة صلبة للانطلاق نحو الفضاء الرحب الواسع للعالم الفكريّ الذي يضفي على حياتنا أجمل المعاني والقيم. ولذلك، فإنّ انخراط أبنائنا في عملية التفكير حول هذه القضايا سيفتح أمامهم أبواب الحياة الفكرية الصاخبة المفعمة بالبهجة، وسوف نجد أبناءنا يتعالون عن الكثير من الجزئيات والمنغّصات التي تتسبّب عادةً بأزمات حادّة في الشخصية.
 الحياة الفكرية هي الحياة المنطلقة الناشطة والمتحرّرة المبهجة. وفي ظلّ هذه السعادة والثبات والتفاعل الفكريّ مع العالم وأحداثه والحياة وأسرارها، تكثر آيات حضور الله وتجلّيات عظمته أمام ناظري الإنسان، ويزداد بفضلها الإيمان.
وحين يمتلك أبناؤنا رؤية كونية صحيحة، فمن الطبيعي أن تدعوهم هذه العقائد الثابتة إلى العمل على أساسها ووفق مقتضياتها. فالذي يعتقد بالمعاد والحياة الآخرة سيجد نفسه أمام مواقف كثيرة ترتبط بهذه العقيدة، وينبغي أن يعمل بما ينسجم معها؛ ولأنّ عقيدته أضحت ثابتة، فمن الصعب أن يخالفها، خصوصًا إذا كان في مرحلة الشباب وحداثة السن حيث تقلّ الموانع والبواعث على المعصية والجريمة والسوء.
 ولأنّ الإيمان يعمر بالعمل، ولأنّ العمل مكوّن أساسي للإيمان، فمن المتوقّع مع كل عمل ينسجم مع العقيدة والعلم أن يزداد إيمان أبنائنا، حتى يصلوا إن استمرّوا على هذا الالتزام إلى مقام الطمأنينة واليقين. وهل هناك ما هو أعظم وأفضل من اليقين!
إنّ ما ينبغي أن نخافه على أبنائنا أكثر من أي شيء آخر هو اللامبالاة وعدم الاكتراث بشأن قضايا الحياة وعدم الاهتمام بأسئلتها المصيرية
؛ وحين نجد الطفل أو الفتى اليافع يطرح الأسئلة العميقة أو يعترض على بعض الإجابات المرتبطة بتلك القضايا، فينبغي تشجيعه وحثّه على الاستمرار بالتفكّر باعتباره فضيلة وقيمة عظيمة.

ولا شك بأنّ أفضل ما نقدّمه لأبنائنا في هذا المجال هو أن نكون نحن كآباء وأمهات مثالًا يُحتذى في الاعتقاد والتفكّر والإيمان. فلا شيء يهدم الإيمان ويبعث على الشك عند الأطفال والناشئة مثل رؤية آبائهم "المؤمنين" وهم يخالفون قواعد الإيمان ولوازمه؛ كأن يروا فيهم الشك والحيرة أو القلق على المستقبل أو الاضطراب والخوف من الفقر وأمثاله. وفي المقابل، فإنّ أكبر دروس الإيمان هي تلك التي تنبع من القلب والعمل والمسلك. فإذا شاهدَنا أبناؤنا ونحن ثابتو الأقدام في الزلازل، مطمئنّو البال في الأزمات، واثقون بربّنا، فإنّ موجة عميقة ستتدفّق إلى قلوبهم وتملأها إيمانًا وطمأنينة.
إنّ أطفالنا يتطلّعون إلينا أكثر من أي شيء آخر ليفهموا هذه الحياة ويدركوا مواقفها؛ وسلوكنا هو الذي يحكي أكثر من كلامنا؛ فإن شاهدوا أفعالنا تخالف كلامنا فقد يتسلّل النفاق إلى قلوبهم من حيث لا يشعرون. فإذا دعوناهم إلى الصلاة بعدها وإلى طاعة الله والالتزام بأحكامه، فقد يتثاقلون لأنّهم في باطنهم يظنّون أنّ الأمر كلّه ليس سوى خدعة أو تحايل.
إنّ جزءًا مهمًّا من التفاعل الفكريّ مع قضايا الحياة يتحقّق بالاطّلاع على الأفكار والمعارف التي ترتبط بها. ولا شك بأنّ القرآن الكريم هو أوسع أبواب هذه المطالعة؛ هذا بالإضافة إلى دوره الكبير في تحقيق الإيمان وتثبيته. فالقرآن ليس مجرّد كتاب علميّ أو فكريّ يتناول تلك القضايا بالدليل والبرهان، بل إنّه وسيلة الوصول إلى اليقين، لأنّ كل آية فيه تحكي عن حضور الله وتأخذ النفس إلى مستوى الشعور به.
 ويحفل تراثنا المنقول عن أهل بيت النبوّة (عليهم السلام) بأجمل الأحاديث وأروع الكلمات التي تتناول ما لا يُحصى من قضايا العقيدة والوجود، خصوصًا تلك المعارف المرتبطة بمعرفة إله العالم وخالقه ومعاني التوحيد ومراتبه وأسرار الآخرة وأحوالها وحقيقة الإنسان وماهيته وأسباب سعادته وشقائه ولطائف الحياة الاجتماعية وقوانينها. فإن استطعنا أن نربط أبناءنا بهذا التراث بطريقة يدركون معها عظمته وغناه وتأثيره وأهميته، وصار المرجع الأوّل للبحث عن الأجوبة الكبرى عن أسئلتهم، فإنّنا بهذا نكون قد منحناهم أكبر ثروة وأعظم إرث. وفي الحديث: "إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، وإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ".[1]

 

[1]. عوالي اللئالي، ج1، ص 358.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center