Home مقالات

ترسيخ قيمة الحكمة... بين الاعتداد بالنفس وتحمل المسؤولية يوجد خط رفيع

ترسيخ قيمة الحكمة
بين الاعتداد بالنفس وتحمل المسؤولية

يوجد خط رفيع 

السيد عباس نورالدين

نريد أن ينشا أولادنا على تحمّل المسؤولية، سواء تجاه أنفسهم أو تجاه من ينضوي تحت جناحهم؛ لكنّنا نخشى أن يتحوّل هذا الشعور إلى نوع من الاعتداد الشديد بالنفس، الذي تزول معه الحاجة إلى هداية الآخرين وطلب مساعدتهم. فمن منّا لا يحتاج إلى إنسان آخر يعينه ويستأنس برأيه ويهتدي بخبرته، خصوصًا إذا كان حكيمًا حقًّا ولديه خبرة واسعة.
 لأجل ذلك ينبغي أن نبيّن هذا الخط الرفيع الذي يقع بين الاعتداد بالنفس وعدم تحمّل المسؤولية.
إن كان هناك من خُلق رفيع منجٍ ومخلّصٍ في هذه الحياة فهو ذاك الذي يتحقّق بصورة التواضع للعلم والخضوع له والشعور الشديد بالحاجة إلى الهداية والاسترشاد.
أجل يجب أن نربّي أولادنا على تحمّل المسؤولية والشعور بها، لأنّ الحياة تتطلّب ذلك، ولأنّ الحقيقة تقول لنا إنّ البشر لا يمكن أن يستغنوا عن التناصح والتواصي بالحق. ولا ينبغي أن نترك أولادنا حتى تفاجئهم الحياة بمواقف وتحديات تجعلهم يتخبّطون ولا يدرون ما يفعلون؛ فيحملهم ذلك على اتّخاذ قرارات متسرّعة ومكلفة، أو اللجوء إلى أيٍّ كان.
 لكن قبل ذلك يجب أن نرسّخ في شخصيّتهم وفي طريقة نظرتهم للأمور إحدى القيم الكبرى التي تنبع من حقيقتنا، وهي أننا كبشر لا نصل إلى الفلاح ولا نحقّق النجاح من دون عناية الله وهدايته. وتتجلّى هذه القيمة في الحياة بالاهتمام الفائق بالاسترشاد والاتّصال بعقول أولئك الذين ظهرت عليهم عناية الله، وجعلهم الرب المتعال مظاهر هدايته؛ وهم الحكماء العلماء الذين يندر وجودهم ويعزّ.
كل يوم يمر على الشباب ـ في عصر الإنترنت ووسائط التواصل العشوائية ـ تفقد هذه القيمة وضوحها ونصاعتها، نظرًا لما تفعله هذه الوسائط من تضخيم الشخصيات الفارغة ومحو الحدود الفاصلة والفوارق الواضحة بين الحكماء والجهلاء. ففي عصر الفايسبوك يمكن لكل شخص أن يبدو حكيمًا وعالمًا فهيمًا من خلال قدرته على وضع عددٍ كبير من النصوص والمقاطع التي يستعيرها من هناك وهناك على صفحته، (حتى لو لم يفهم المقصود منها ولم يعرف قائلها)، وبذلك تنتفي الحاجة أو لا يبقى وقت للبحث عن الحكمة الواقعية. وقد قيل: "إذا كثر الخطاب انعدم الصواب".
في عصر الوسائط تكاد تزول الدرجات وتنعدم الفوارق بين الصغير والكبير، ويتساوى العالم مع الجاهل؛ بل ربما يصبح الجاهل حكيمًا والحكيم جاهلًا، كلما أصبح معيار النجاح والتميّز في كثرة المعجبين وعدد البوستات والمشاركات.
وفي عصر الوسائط هذا، غالبًا ما يأتي الشباب اليافعون إلى الكبار المسنّين بخبرٍ من هنا ونصٍّ من هناك (يكون على الأرجح طرفة مضحكة)، فيصبح الكبار أمام الصغار في موقع المتلقّي والمستمع والمشاهد، ويكون الصغار في موقع التعليم والإرشاد، وهم يتصوّرون أنّ آباءهم وأمهاتهم بحاجة إلى الكثير ليتعلموا!
وفي عصر الإنترنت هذا، يصعب على الشباب إدراك أنّ الحياة أكبر وأعقد من الواقع الافتراضي الذي انهمكوا فيه، وأنّ هناك الكثير ممّا ينبغي أن يتعلّموه عبر الاستماع إلى من هم أكبر منهم سنًّا وخبرة وعلمًا. لأجل ذلك يواجه المربون اليوم مثل هذه المشكلة التي تتضاعف وتتعقد مع الأيام؛ إنّها مشكلة استغناء الشباب عن الحكمة الواقعية وافتقادهم لتشخيص أهلها الواقعيّين. وتظهر هذه المشكلة أكثر في حالة الانفصال والتباعد بين الأجيال.
وما لم يعمل المربّون على ردم هذه الهوّة في مرحلةٍ مبكرة، فسرعان ما سيجدون أولادهم وقد ابتعدوا عنهم واستغنوا عن حكمتهم التي كانت عصارة تجارب كثيرة، بعضها كان مريرًا، لأنّهم اضطرّوا أن يتعلّموا من كيسهم، ولأنّهم لم يستمعوا إلى الحكماء في زمانهم.
فما لم يعمل المربون على تبيين المعنى الدقيق لحالة التضخم المزيف للشخصية، والتي غالبًا ما تحصل نتيجة هذا التمدّد الأفقي بواسطة الإنترنت، فربما سيعجز أولادهم عن اكتشاف ما يعوزهم من ناحية العمق. وهكذا يُبتلى أولادنا بإحدى أخطر مشاكل العصر وهي السطحية.
وباختصار، يجب أن نربّي أولادنا على قيمة الحكمة حتى تصبح ضالتهم المنشودة؛ وقد جاء في الحديث أنّ "الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها". وحين تترسّخ هذه القيمة في النفس، فمن المتوقّع أن يتبعها حس مرهف للبحث عن مكانها؛ الأمر الذي يؤدّي إلى الإقبال على الحكماء الواقعيين والأخذ عنهم.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center