Home مقالات

ضرورة إعادة النظر في طرائق تعليم الدين.. ما هي أسباب الفشل وما هي عوامل النجاح؟

ضرورة إعادة النظر في طرائق تعليم الدين
ما هي أسباب الفشل وما هي عوامل النجاح

السيد عباس نورالدين

 شاهدنا طلابًا في مدرسة إسلامية قد أنشأوا ناديًا تحت عنوان نادي الزنادقة (والزندقة هي إنكار الدين والألوهية). ونسمع عن طلاب كثر في مدرسة إسلامية أخرى باتوا يتعاطفون بصراحة مع الشذوذ الجنسي الذين يطلقون عليه اسم المثلية، لأنّهم يؤمنون بحرية الإنسان واختياره. لقد قابلت منذ عدة أيام خريجًا من إحدى المدارس الإسلامية يتبنى نظرية مالتوس بقناعة تامة ويؤمن بضرورة التخفيض من المواليد، لأنّه يعتقد بأنّ كثرة الإنجاب تمثّل مشكلة حقيقية للأرض (وأي عارف بروح الدين يدرك مدى أهمية الإنجاب ودوره على مستوى تغيير العالم وإصلاحه). الكثير من خرّيجي هذه المدارس لا يحملون فكرة ناصعة حول الزواج وضرورة الزواج وأهميته، فما الذي يحصل هنا؟
أهي المناهج نفسها بمضامينها التي لا تستطيع أن تطرح الأفكار الدينية العميقة والأساسية، أم هي طرائق تدريسها وأساليب عرضها؟
حين نلقي نظرة عامة على المناهج المعتمدة في تدريس مادة الدين في أوساطنا قد لا نجد مخالفات صريحة في المضمون للتراث الفكري الأساسي لعلماء الإسلام؛ فكأنّ من وضع هذه المناهج شخص اتصل بهذا التراث وحاول مراعاة الإجماعات الموجودة فيه مع السعي لطرح القضايا الأساسية. لكنّنا حين نتأمل في الأساليب والتقنيات المعتمدة في تدريس هذه المواد ربما سنضع اليد على أحد أهم المشكلات التي تؤدي إلى ضعف تأثير التعليم الديني في المدارس الإسلامية وغيرها.
ولنا عودة إلى قضية المحتوى والمضمون (وقد كتبنا كثيرًا حول المناهج[*])، لكنّنا الآن نريد أن نسلط الضوء على طريقة التدريس الشائعة لما يُطلق عليه مادة التربية الدينية. ولا يخفى بأنّ طرق التدريس لا يمكن أن تُعزل عن البيئة المدرسية وما يتشكل فيها من روحية وذهنية ورؤية تجاه العلم والمعلم، فضلًا عن الموقعية والمنزلة التي توضع فيها هذه المادة بلحاظ الأولويات والتقويم.
إنّ حداثة دخول التعليم الديني إلى المدرسة الجديدة فرض على معدّي المناهج أن يتعاملوا مع هذه المادة الحساسة بطريقة لا تمت إلى روحها بصلة؛ فصارت أشبه بتعليم الرياضيات والفيزياء واللغات؛ علمًا بأنّ الأجواء المناسبة والممهدة لتقبل التعاليم الدينية ترتبط كثيرًا بالبعد الروحي والسماحة والطهارة والصفاء والاحترام والتجربة والنموذج.
كل هذه أمور تتساقط على مدى الأيام في بيئة هذه المدرسة، حيث يُطلب من المعلم أن يكون صاحب سلطة قاهرة وهيمنة نظامية، تحد من حرية التلميذ وتقلل من احترامه وتقيد تفكيره وتبعده عن التطبيق وعن مشاهدة الواقع الحقيقي. في حين أنّ التعليم التقليدي للعلوم الدينية في الحوزات الإسلامية على مدى القرون المتمادية كان مقرونًا بدرجة عالية من القداسة والاحترام والأجواء المعنوية، فضلًا عن تقدير إمكانات المتعلم وترك هامش واسع له ليحدد برنامجه وحتى أساتذته وكيفية ارتقائه.
إنّ عجز مدرس "الدين" عن أن يتبلور ويظهر بمظهر المعلم النموذج والقدوة والمقدس، في ظل هذه الظروف، هو العنصر الأول لفشل التعليم الديني أو ضعف تأثيره. ولا شك بأن ما هو متوقع من معلم الدين أكبر بكثير مما هو متوقع من أي مدرّس آخر. وهذا ما يزيد المشكلة وخامة.
بيد أنّ إصرار أكثر معلمي الدين على الظهور بمظهر الواعظ والمرشد من جهة، أو بمظهر من يمتلك الحقيقة المطلقة من جهة أخرى، هو المشكلة الأولى التي ينبغي البحث عن حلولها في طرائق التعليم نفسها. فغالبًا ما يجد مدرسو التربية الدينية أنفسهم في موقع يفرض عليهم بحسب زعمهم أو تصورهم أن يدافعوا عن الدين من موقع الحق المطلق؛ حيث يحصل الخلط بين حقانية الدين وحقانية من يدعو إليه. فإذا كان الدين الحق على الحق المطلق فهذا لا يعني أنّك أنت كذلك. إنّ إيماننا بحقائق الدين قد يأخذنا في هذا الاتجاه من حيث لا نشعر، لكنّ المشكلة هي أنّ ما يراه الآخرون منّا ليس سوى التسلط والتعميم والأحكام المسبقة أو الخالية من الدليل.
إنّنا كمعلمين نشعر أنّ علينا ان ندافع عن الدين بكل ما أوتينا من قوة؛ لكننا غالبًا ما نستعمل هذه القوة الدفاعية لقمع الطلاب الذين قد يثيرون بعض الاشكالات المهينة أو الأسئلة الحرجة التي تريد أن تهز أركان الدين.في حين أنّ كل ذلك يكون بالنسبة للمتعلمين مجرد سؤال خطر على البال أو بعض المشاغبة التي تريد أن تقضي على جو الملل القاتل في الصف.
إنّ رد الفعل الشديد على مثل هذه المشاغبات أو التصرفات البريئة تظهرنا كمن يريد أن يستخدم القهر والقمع لإخفاء ضعفه. فصاحب الحق قوي وقوته تظهر في سماحته وسماحه للآخرين أن يعبروا عن أفكارهم وآرائهم مهما كانت بعيدة عن الحق. ولذلك فإنّ كل الأغراض المنشودة من طرح الأفكار الدينية المهمة ستتحول إلى عكسها. وبدل أن يشعر الطلاب بسماحة الدين وسعة صدره وروحيته المتألقة، فإنّهم سيشعرون بنوع من التقييد والتحديد والجمود.
فإذا أردنا أن ننجح في تعليم هذه المادة، علينا أن ننهج أسلوبًا مغايرًا. فبدل التلقين والإلقاء والوعظ والفرض، نستخدم أسلوب العرض الحيادي (أجل الحيادي!)، وكأنّنا نستمع وإياهم إلى أفكار وآراء علماء كبار قاموا بعمليات بحث وتحقيق ودراسة واستدلال وتبحر، ونسعى معًا لكي ندرك المعنى المطلوب والمغزى المراد؛ ونناقش وإياهم الأدلة المطروحة بأسلوب التفكير الناقد الذي ينظر إلى هذا التراث، رغم عظمته، بأنّه اجتهاد قام به علماء كبار، لكنّهم غير معصومين، وقد اختلفوا فيما بينهم في بعض الأحيان، ولم تكن اجتهاداتهم عبارة عن إجماع كنسي بعد انعقاد مؤتمر عمومي.
ولئن كانت الكتب والمناهج المعروضة ليست كذلك في بعض الأحيان، لكنّ الغالب على مدرسي الدين في المدارس الإشارة إلى المعارف المطروحة كمسلمات وبديهيات لا بد من التعامل معها بالأخذ لا بالتفكير والبحث؛ والأخطر من ذلك على أنّها الدين الحق. فلا يوجد تفريق واضح بين الاجتهاد الشخصي (حتى لو قام به علماء عظام كالإمام الخميني) وبين الدين الواقعي الذي هو من عند الله.
أجل إن تجربتي مع هذا العالم العظيم والتي تناهز الأربعين سنة، أكدت لي أنّه كان على درجة عالية تفوق الوصف من حيث النزاهة والعمق والمنطق والإخلاص (حتى بتّ أتعامل بصورة تلقائية مع كل ما يقوله من موقع المتعبد والمسلّم) لكن تجربة عشرات السنين شيء، وتجربة الطالب المدرسي شيء آخر؛ خصوصًا وأنّ نحو إقبالي وظروف تعرّفي إلى هذا العالم الكبير كانت ذات متميزة بجمالها ومفعمة بالروحانية والاندماج.
إنّ ما يتوقعه المتعلمون من مدرسي الدين هو أن يكونوا على درجة عالية من الانفتاح على الأفكار الأخرى، وكل انغلاق أو صد لن يُفهم إلا بأنّه ضعف وتقوقع ودليل على البطلان. ولأجل ذلك، لا بد من اعتماد منهج البحث المقارن أكثر فأكثر، بشرط أن يكون حقيقيًّا، حيث يتم عرض أفكار الآخر كما هي ومن مصادرها الأساسية وبلسان أصحابها، حتى لو تطلّب الأمر الإتيان بهم ومقابلتهم.
حين سُئل الإمام الخميني ذات يوم عن رأيه في مواجهة المد الشيوعي والإلحادي الذي ارتبط به، قال لو كان الأمر عندي لطلبت من أفضل أساتذة الفكر الشيوعي في الاتحاد السوفياتي أن يأتوا إلى الحوزة ويعرضوا أفكارهم.

عجيب هذا الذي يخاف من الإتيان بالمخالف إلى المدرسة، وهو يعلم أنّ طلابه يقابلون الكثير من أمثاله في الحياة. فأي صورة نقدمها لطلابنا حين نحجر عليهم ونظن أنّهم لن يواجهوا تلك الأفكار والعقائد الباطلة والدعوات الفاحشة؟!
لأجل ذلك فإنّ من أهم عناصر قوة بيان الأفكار الدينية أن نعرضها مقارنة مع غيرها. فأينما وُجدت فكرة دينية ينبغي أن نعرضها مع الأفكار الأخرى المعارضة أو المناقضة أو المختلفة عنها في المذاهب وفي المدارس والديانات المختلفة. ففي مثل هذه الحالة لن يشعر الطلاب بالهيمنة وبالفرض والإكراه، وسيجدون أنّ هناك مساحة معينة في حياتهم المدرسية تحترم أفكارهم وحريّتهم في التعبير، ممّا يجعلهم أكثر اقترابًا من روح هذا الدين؛ لأنّ الاتصال بروح الدين أهم من الاتصال بأفكاره. إنّ استيعاب هذه الروح هو الذي يجعل الإنسان محبًّا لهذا الدين ومقبلًا عليه. ولا ننسى بأنّ الكم الذي يُعرض من الأفكار الدينية في المدارس هو قليل جدًّا مقارنة بما ينبغي أن يُعرف، ما يستلزم حث الطالب على القراءة ما وراء المنهاج سواء في حياته المدرسية أو فيما بعد.

 

[*]. انظر كتاب ثورة التربية والتعليم؛ والمقالات:
كيف تصنع المناهج هم تهذيب النفس: http://www.islamona.center/2yb؛
المشروع الحضاري للتعليم، كيف ننزل هذا المشروع في قالب المناهج المدرسية: http://www.islamona.center/2xR؛
حول أسلمة العلوم التطبيقية والطبيعية.. مبادئ أساسية لإعداد المناهج: http://www.islamona.center/2sF؛

هل يصح تدريس العلوم الطبيعية بمناهجها الحالية: http://www.islamona.center/2y2
وغيرها من المقالات على موقعنا:  http://www.islamona.center

 

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center