Home مقالات

حين يفقد القائد العنصر الأول لنجاح قيادته.. ماذا نعرف عن الذكاء العاطفي في القيادة؟

حين يفقد القائد العنصر الأول لنجاح قيادته
ماذا نعرف عن الذكاء العاطفي في القيادة

السيد عباس نورالدين

لعلّكم شاهدتم بعض الأفلام التي يتعرض فيها مسؤول رفيع في دولةٍ ما إلى حملة تشهير أو انتقادات واسعة من قبل وسائل الإعلام، فيغضب لذلك كثيرًا، ويقرر أن يرد على هذه الافتراءات بقوة، لكن يسارع مستشاروه إلى نجدته ونصيحته بضرورة عدم الرد، لأنّ ذلك سيظهره بمظهر الضعيف أو سيؤدي إلى جرجرته إلى الكشف عن فضائح لا يعلم الناس عنها شيئًا.
فهؤلاء المستشارون الأذكياء يعلمون أنّ رئيسهم هذا متورط بقضايا خفية، ولا بد أن يزل لسانه أمام الإعلام الماكر والاستدراج الذكي ويفضحه؛ لذلك، فالأفضل له أن يكتفي بالحديث عن أمور سطحية عادية وسط هذه العاصفة التي ستمر كما مرّ غيرها، ولا يتجاوز التصريحات العمومية التي لا يمكن أن يُعرف الحق فيها من الباطل.
السكوت أو قلة الكلام أو الكلام العام الفارغ هو أفضل موقف لمن يخفي في نفسه العيوب والأخطاء والضعف والمشاكل؛ أما الصراحة والوضوح والعمق والتفصيل ـ والأهم من كل ذلك الحديث من القلب إلى القلب ـ فلا يجيده إلا الصادقون المخلصون الذين يفرحون بالانتقادات ويرحبون بالآراء المخالفة حتى لو كانت تطال شخصيتهم وأخلاقهم وسيرتهم. فهل هناك ما هو أهم من اكتشاف عيوب الذات بالنسبة للمخلص الذي لا همّ له سوى تحقيق مرضاة الله؟ ومن الذي يخشى على هيبته سوى ذاك الذي يطمع بالمنصب والجاه ويعتبر الرئاسة سترًا وغطاءً للعيوب؟
وبنصائحهم الذكية تلك يُخسر المستشارون قائدهم أهم عنصر من عناصر قوة القيادة، ألا وهو التواصل المعنوي مع الناس والذي يُفترض أن ينبع من قوة الذكاء العاطفي. فيصبح هذا الزعيم مجرد واجهة لقضية فارغة، لا يشعر الناس معها بأي نوع من الارتباط الحقيقي بينهم وبينه.
بعض القادة يقتلون هذا الذكاء بكثرة تركيزهم على المتابعات الإدارية وقراءة التقارير وتصفح الأوراق والجرائد، فتخلو قلوبهم بالتدريج من العاطفة القوية تجاه الناس. فمثل هذا النوع من الذكاء إنّما ينمو من خلال كثرة التواصل والتعبير والاستماع المستمر إلى شكاوى الناس، مهما كانت.
والبعض الآخر من القادة تنطفئ لديهم شعلة الذكاء العاطفي من خلال التركيز المستمر على الخصوم ـ الذين هم بطبيعة الحال مجرّد أشرار بالنسبة لهم. وكما جاء في الحديث عن أمير المؤمنين(ع): "مُجَالَسَةُ الْأَشْرَارِ تُوجِبُ سُوءَ الظَّنِّ بِالْأَخْيَار".[1]فالقلب يموت عاطفيًّا من كثرة متابعة شؤون الأعداء ومواقف المعارضين وحتى أخطاء الأصدقاء وعثراتهم. ويفقد القائد حينئذ القدرة على تشخيص القضايا التي تهم الناس أكثر من غيرها، فيأتيهم من حيث لا يرغبون، ولا يقدر بعدها على أخذهم إلى حيث يرغب.
إنّ التواصل مع الجماهير هو الركن الأول للتأثير القيادي. والتواصل العاطفي معهم هو الوسيلة الأكثر فاعلية من بين جميع أنواع الخطابات.
أجل، إنّ التواصل العاطفي يقتضي في الكثير من الحالات أن يتنازل القائد وينزل إلى مستوى الناس وهمومهم ويتحدث عمّا يشغل بالهم، حتى لو كان أمرًا متعلقًا بخطإٍ ارتكبه أحد أعوانه؛ لا لأنّ هذا الخطأ كبير ومصيري، بل لأنّ الناس يريدون أن يشاهدوا كيف يتعامل القائد مع المقربين منه. فإذا كان مهملًا لشؤونهم، فهو حتمًا شخص لا يكترث لقضايا الناس. وقد علمنا رسول الله(ص) درسًا عظيمًا في القيادة، حين رفض ذات يوم معاقبة بعض الأصحاب الذين يخفون النفاق، لأنّ مثل هذا الموقف سيُفهم بشكل خاطئ تمامًا، وسوف يقول الناس أنّ محمدًا يقتل أصحابه. فهو يعلم ما يدور في أذهان الناس، ولا يريد أن يحفر في قلوبهم صورة القائد البطاش الذي لا يرحم.
يصل بعض القادة والمسؤولين إلى مناصبهم بواسطة الانتخابات العارمة أو المواقف السياسية الكبرى في اللحظات المصيرية، لكن رصيدهم الأكبر سيكون دومًا ما يحصل من خلال التفاعل العاطفي مع الجماهير؛ وإذا لم يعمدوا إلى تقوية هذا التواصل بالمصارحة والاعتذار والتوضيح، فإنّهم سيخسرون الكثير من ذلك الرصيد؛ وأخطر نتائج ذلك أن تضعف طاعة الناس وانقيادهم لهم.
هذا القائد يقول إنّني لا استطيع أن أطالب الناس بهذا وذاك لأنّهم لن يطيعوني؛ ولا يسأل نفسه ما الذي فعله الإمام الخميني للناس حتى وصل بهم الأمر إلى أنّه إذا قال في مجلسٍ خاص: وهل يدخن المجاهدون؟! تركوا السجائر والتدخين وحرموها على أنفسهم.
إنّ قوة الانتماء وشدة الطاعة والذوبان في القائد يحصل فقط عبر بناء كتلة العاطفة العظيمة ولا غير. وأمتن مواد هذا البناء هي المصارحة وإلقاء العذر. يقول الله تعالى حكاية عن نبيه الأعظم وأتباعه المخلصين : {وَلا عَلَى الَّذينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُون}.[2]
وفي وصية أمير المؤمنين لمالك الأشتر : "وَإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفًا فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ وَاعْدِلْ‏ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِيَاضَةً مِنْكَ لِنَفْسِكَ وَرِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ وَإِعْذَارًا تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَق".[3]
القائد الذي يختبئ وراء التصريحات الرنانة والمواقف الاستراتيجية، ويرفض النزول إلى مستوى حاجات الناس وهمومهم، هو قائد ضعيف لم يحمل هذه الأمانة على محمل الجد التام، ولم يأخذها ـ كما أمر الله تعالى ـ بقوة.[4]هذه القوة التي أشار الإمام الصادق (عليه السلام) إليها تحت عنوان قوة القلوب والأبدان، حين سُئل عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ {خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ}: أَقُوَّةٌ فِي الْأَبْدَانِ أَمْ قُوَّةٌ فِي الْقُلُوبِ؟ قَالَ: فِيهِمَا جَمِيعًا. فقوة القلب هي هذه العاطفة الكبرى التي تستوعب الناس كلهم ولا تخشى من التعبير عن نقص الإمكانات وعن الحاجة إلى النصيحة والاستعانة بغير الأعوان.
قال أمير المؤمنين عليه السلام موصيًا مالك الاشتر حين ولّاه مصرا: "وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعًا ضَارِيًا تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَ إِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْق".[5]

 

[1]. وسائل الشيعة، ج16، ص 264.

[2]. سورة التوبة، الآية 92.

[3]. نهج البلاغة، ص 442.

[4]. {خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّة}، سورة البقرة، الآية 63.

[5]. نهج البلاغة، ص 427.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center