Home مقالات

كيف تصنع المناهج هم تهذيب النفس؟ إطلالة معمقة على دور المدرسة في التربية

كيف تصنع المناهج هم تهذيب النفس؟
إطلالة معمقة على دور المدرسة في التربية

السيد عباس نورالدين

يمكن للتعليم المدرسي أن يساهم مساهمة كبرى في توجيه المتعلم نحو أحد أكبر قضايا الحياة وأهمها وأكثرها تأثيرًا على حياته ومصيره، ألا وهي قضية تهذيب النفس والسير التكاملي إلى الله.
ولا نقصد من التعليم المدرسي تلك البيئة الفيزيائية المتعارفة، التي يمكن أن تكون معارضة تمامًا لهذا النوع من التربية والتأثير، وإنّما المقصود هو المناهج التعليمية التي يمكن صياغتها وتطويرها بحيث تصبح قادرة على جعل قضية التكامل المعنوي الجوهري همًّا واهتمامًا أساسيًّا، يعيشه المتعلم ويمارسه في هذه المرحلة العمرية الحساسة.
أجل، يمكن للعلم والتعليم نفسه أن يكون وسيلة فعالة في وضع هذه القضية في موقعها المحوري في الحياة؛ وذلك من خلال تناولها بصورة ذكية حاذقة، بواسطة ربط السعادة الدنيوية الشاملة والمصير الأبدي النهائي بها.
إنّ طرح قضية الحياة باعتبار أنّها رحلة معنوية تكاملية ذات مراحل ومقامات ودرجات من شأنه أن يظهر هذه الحياة بأجمل وأروع معانيها وأبعادها، فيضفي عليها حيوية وجاذبية وتشويقًا لا مثيل له.
 كما أنّ دراسة وتحليل النماذج المقابلة التي يتم عرضها في كل وسائل التعليم والإعلام كأنماط للحياة السعيدة، سيكشف للمتعلم عن هشاشتها وسطحيتها وخوائها. وهكذا تصبح الحياة في ظل السير والسلوك التكاملي خيارًا أساسيًّا للمتعلم، تزداد قناعته به كلما شاهد مظاهر الأنماط المختلفة وتأمل في واقعها وحقيقتها.

يجب تعميق النظر في حياة الأثرياء وفي حياة المخترعين وفي حياة الأدباء وفي حياة الزعماء وفي حياة الرومانسيين والكادحين وأهل المهن، وكل من يمكن أن يشكل ذات يوم خيارًا للمتعلم في عيشه.. كما ينبغي تشجيع المتعلم على البحث بعمق عن أسباب الشقاء والتعاسة والآلام النفسية والنقائص الفادحة والأوهام الكبيرة الموجودة في هذه الأنماط، بعد عرضها واستعراضها وفهمها ومعرفة آثارها؛ فلا نترك بعدها أي نمط يمكن أن يصل إليه المتعلم في عيشه ومعاشه، إلا ويكون قد فهمه واستوعبه وتحسس أدق تفاصيله. وباختصار ينبغي أن تكون مناهجنا أفضل وسيلة لفهم الحياة البشرية وأنماط العيش، واستيعاب كل تجاربها.
إنّ هذا الاستيعاب يتطلب امتلاك قدرات تحليلية مهمة، ولهذه مقدمات معرفية لا تقل أهمية؛ لكن الأصل الأولي الذي يمكن البناء عليه يتشكل من أمرين أساسيين:
الأول: تعميق شعور المتعلّم بحريته وما ينتظره من فرص وآفاق عظيمة لا متناهية في هذه الحياة.
والثاني: تفعيل الفطرة الإنسانية التي تجعل من كل ناقص منفورًا، ومن كل كامل طريقًا إلى الأكمل. وهذا ما يعتمد على العرض الشامل والتعمّق الكامل في أنماط العيش المختلفة التي ابتكرها البشر وورثها بعضهم عن الأنبياء والأوصياء.
كما يجب تحرير التجارب الرائعة لأهل المعنى والروحانية في المجتمع المسلم من كل الخصائص المرتبطة بمقتضيات زمانهم، وما يمكن أن يكون قد تركه ذلك على صعيد نظرتهم الخاصة المحدودة للحياة، وتقديم الروح والجوهر الذي ميّزهم، في قالبٍ يتماشى مع الحياة العصرية ومتطلباتها؛ لأنّ الكثير ممّا يتم عرضه وتمجيده في حياة هؤلاء يختلط مع هذا الجوهر فيؤدي إلى ضياعه. فهل كان شدة احتياط هؤلاء في اجتناب العديد من شؤون الحياة هو السبب الذي رفعهم وأوجد فيهم هذا المستوى العالي من الروحانية والكرامة، أم حبّهم للمساكين وحرصهم على عباد الله المستضعفين؟ وهل كانت كثرة عباداتهم وشدة اجتهادهم في أداء المستحبات هي التي جعلتهم من أهل الشهود والمكاشفة، أم ذلك العنصر المحوري الذي يميّز التقوى ويجعل صاحبها شديد الاهتمام بما يريد الله منه؟
ولأجل ذلك، فإنّ مناهجنا بأمس الحاجة إلى تعميق النظر في حياة الأنبياء الذين يمثلون في نهجهم العام القدوة الواقعية والأسوة الحقيقية التي ينبغي بناء الرؤية الشاملة للحياة عليها.
إنّ قوة حضور أولياء الله الكاملين على مسرح الحياة البشرية وسعيهم الحثيث وتمركز جهودهم في تغيير هذه الحياة وإصلاح العالم هو الذي ينبغي أن يظهر كوسيلة أساسية لبلوغ كل مراتب الكرامة. لأجل ذلك، يجب أن يتعرف المتعلّم إلى كل ما واجهوه من فساد وظلم وضلالة أثناء سعيهم ونضالهم هذا، بحيث يقدر على تطبيق ذلك على مظاهر هذه القبائح في كل المجتمعات البشرية المعاصرة.
فما هو واقع الفساد والانحراف في مجتمعنا اليوم؟ وما هو وضع وأحوال الضياع والضلالة في المجتمع الكوري مثلًا؟ وهكذا. فالمتعلم الذي يُراد له أن يتعرف إلى الأنبياء ينبغي أن يصبح عالمي التفكير انطلاقًا من تبني نهج الأنبياء، بحيث يصبح تغيير العالم وفق ذلك هدفًا أساسيًّا له في هذا الوجود.
وبدل أن يسيطر الإعجاب الوهمي عليه، فإنّ هذا المتعلم سيتعرف إلى الشقاء الذي تعيشه المجتمعات التكنولوجية، ويدرك أنّ ذلك كله ناشئ من الغفلة والبعد عن الأنبياء العظام وتعاليمهم السامية.
إنّ سقوط هالة المجتمعات التي يسمها الكثيرون بالمتطورة، هو الضامن الأكبر لعدم انبهار المتعلم بنمط عيش أبنائها. فغالبًا ما يتم تصوير المعجزة اليابانية على أنّها وليدة ذلك النمط الخاص من العيش؛ في حين أنّ القضية أعقد من ذلك وأعمق، وأنّ هذه المعجزة تخفي وراءها الكثير من الشقاء والتعاسة وهي تأخذ هذا المجتمع نحو طريقٍ مسدود.
كل هذا لا يتم إلا بمعرفة واقع السير والسلوك في مجتمعاتنا المتخلفة تكنولوجيًّا، حيث أعرضت الأغلبية الساحقة فيها عنه، ورفضته جهلًا وتقليدًا. فلعل المسلمون اليوم أكثر الناس بعدًا عن التعاليم الأخلاقية والمعنوية للدين، رغم أنّهم يمتلكون أفضل قابلية من بين جميع شعوب العالم لتقبلها وتبنيها.
 كما يجب أن يتعرف المتعلم في هذه المناهج التعليمية إلى أنّ كل هذا الفشل الاقتصادي والتخلف والتراجع الحضاري ليس سوى نتاج الانحطاط الأخلاقي المزمن ونتيجة الابتعاد عن قيم الدين العظيمة، هذه التي يُفترض أن يتعرف إليها بأدق التفاصيل، ويتعرف إلى كيفية تأثيرها على مستوى صناعة المجتمع المتطور المزدهر القوي والمتقدم.
إنّ إدخال قضايا القيم والتقدم في صلب المناهج التعليمية لهذه المرحلة هو أحد أهم عناصر تبني نمط العيش الإسلامي الممتزج بالسير المعنوي والارتقاء الروحي.
ولأجل ذلك، نحتاج إلى إعادة صياغة التعاليم الأساسية لمنهاج السير والسلوك العرفاني الذي يمثل أفضل منهاج للحياة الإنسانية، ويعرض بعمق لعلاقة الإنسان مع نفسه ومجتمعه في ظل ارتباطه بالله وسعيه للوصول إلى الرب المتعال. ويخطئ من يظن أنّ مثل هذه المدرسة العظيمة غير قابلة للتنزيل إلى مستوى فهوم الأطفال والأحداث.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center