Home مقالات

المشروع الحضاري للتعليم العام.. كيف ننزل هذا المشروع في قالب المناهج المدرسية

 المشروع الحضاري للتعليم العام
كيف ننزل هذا المشروع في قالب المناهج المدرسية

السيد عباس نورالدين

السؤال الأساسي هنا هو أنّه كيف يمكن أن نجعل من المشروع الحضاري الكبير الذي نؤمن به منهاجًا دراسيًّا، بل محورًا أساسيًّا في التعليم العام، بحيث يمكن الوصول بالمتعلم إلى مستوى من الفهم والإيمان والتبني والمسؤولية تجاهه، حتى ينتقل إلى الحياة التخصصية والمهنية وقد جعل ذلك كله قائمًا عليه ومتوجهًا إليه.
برأيي لا ينبغي للمتخصصين في مجال إعداد المناهج التعليمية أن يجدوا صعوبة في هذا العمل، وذلك نظرًا إلى:  
-  أنّ هذا المشروع يمتلك من المقومات الفكرية والقيمية ما يمكن أن يلهم مئات الأدباء والمفكرين الذين يمكن أن تكون أعمالهم الذخيرة اللازمة لصياغة أي نوع من المناهج التعليمية. فالغفلة عن مضمون ومحتوى وأصول وجذور ومقومات وأبعاد وأهداف ومبادئ هذا المشروع الكبير قد تجعلنا نتساءل ونحتار.

- العجز عن تحويل مشروع بهذه الأهمية والشمولية والعمق الفكري والعقائدي والقيمي والأخلاقي والعملي والجمالي لا ينشأ سوى من الجهل به. أما العارف المتعمق والمتخصص المتبحر في مشروع بناء الحضارة الإسلامية الجديدة، فسوف يجد فيه أفضل أرضية لإطلاق أكبر وأعلى مشروع للتعليم، يستوعب كامل المنهاج المدرسي من السنوات الأولى وحتى الأخيرة.
ولأجل ذلك نحتاج:
-  قبل أي شيء إلى تفكيك هذا المشروع، والتمييز بين أصوله وجذوره من جهة، وبين فروعه ونتائجه وأبعاده، التي ينبغي أن تظهر في كل أنماط العيش؛ كما أننا بحاجة إلى التمييز الدقيق بينه وبين المشروع المقابل الذي يملأ الأرض صخبًا وضجيجًا ويستحوذ على جميع المناهج التعليمية في العالم، وهو الذي يخفي حقيقة المبادئ والقيم التي قامت عليها الحضارة الغربية.
 
- وبعد مرحلة التفكيك، يجب أن نحدد القيم الأخلاقية الإنسانية الاجتماعية الإلهية، التي يقوم هذا المشروع على أسسها، والتي ستمثل الخطاب الأساسي وتستحوذ على المضمون الجوهري، والتي يُفترض أن تُصاغ بصورة دروس منهجية وتعليمية في أي مدرسة أو تعليم أولي.
إنّ القيم الأساسية لهذا المشروع الحضاري هي التي ينبغي أن تصبح المرشد والدليل السياحي لكل من يريد أن يؤسس حياته ومعيشته على قاعدة الحياة الطيبة وفق النظرة الإسلامية. ويجب العمل على ترسيخ هذه القيم في نفوس المتعلمين منذ اللحظة الأولى التي يبدأون فيها الدراسة الواعية؛ لأنّ هذا الإنجاز هو الذي سيحقق الانسجام التام والتبني المطلق لهذا المشروع ومتطلباته ومسؤولياته.

ولأجل ذلك فنحن لسنا بحاجة إلى عرض هذا المشروع بصورة مباشرة كقطعة واحدة، ولسنا بحاجة إلى تسمية أشيائه كما هي.. فما إن تترسخ تلك المعارف والمبادئ والقيم (التي يقوم عليها هذا المشروع) حتى يصبح المتعلمون أنفسهم ـ وهم في مقتبل العمر ـ منسجمين مرتبطين بهذا المشروع، وكأنّه يعبر عن طموحاتهم وآمالهم وكل ما يتطلعون إليه في هذه الحياة.

فالفن الأكبر في إعداد المناهج هو ما يدور حول الكشف عن هذه القيم، وتنزيلها بحسب ما يتناسب مع المراحل العمرية المختلفة. ففي مرحلة عمرية معينة، يمكن للأطفال أن يدركوا بعض القيم التي تتوافق مع إدراكاتهم الذهنية وأوضاعهم واستعداداتهم النفسية، في حين يمكن تأجيل الحديث عن قيم أخرى إلى مرحلة أعلى، من أجل أن يتحقق البناء المنظومي لشبكة القيم. وقد يتطلب الأمر أحيانًا التأسيس لقيمة معينة بواسطة مجموعة من الحقائق الوجودية، مثلما أنّنا سنعمد إلى تجزئة هذه القيمة نفسها وتقديم بعض أجزائها في مرحلة، وتكملة ذلك في مراحل تعليمية أخرى. فالحرية التي هي عمود أساسي لهذا المشروع الحضاري الكبير، قد لا يمكن تصورها بالكامل في مرحلة عمرية معينة، لكن ذلك لا يعني أن لا نبدأ بترسيخ بعض معانيها وأبعادها؛ حتى يتمكن المتعلم من التمييز الدقيق بين حرية الانطلاق في فضاء الكمال المطلق والتفلت والتحرر من كل القيود والضوابط.
من القيم الأساسية التي يقوم عليها هذا المشروع الحضاري هي قيمة العزة، ببعديها الفردي والاجتماعي. فإنّ قسمًا كبيرًا من المنبهرين بالغرب والمنساقين له قد خضعوا واستسلموا نتيجة عدم تبنيهم لقيمة العزة كأولوية في هذه الحياة الدنيا؛ فهناك من لا يرى لكرامته الإنسانية شأنًا، حين يتعارض ذلك مع حاجاته ورغباته الشهوانية والوهمية؛ فتراه يضحي بها لتأمين بعض متطلبات العيش والحصول على بعض المشتهيات الحيوانية. لأجل ذلك، ينبغي ترسيخ قيمة الإنسانية أولًا، وقيمة الكرامة ثانيًا، وما معنى أن يكون الإنسان إنسانًا، حتى إذا جاء الحديث عن العزة كركن أساسي في هذا المشروع الحضاري، وجد آذانًا صاغية وقلوبًا واعية ورأى المتعلم النجيب ذلك جزءًا أساسيًّا من هويته الفردية والاجتماعية.
ولكي ننجح في ترسيخ معنى الإنسانية وأبعادها العميقة، نحتاج إلى تعميق الفوارق الجوهرية بينها وبين الحيوانية.ففي تعليم اليوم تقلصت المسافة الفاصلة بين الإنسانية والبهيمة، بل بتنا نجد تغليبًا لقيمة البهيمية على الإنسانية تحت ستار الرفق بالحيوان والإحسان إليه.. وبدل الارتقاء بالإنسان وجدنا الدعوة العامة هي تنزيله إلى مستوى الحيوان؛ فإذ بالكلب يصبح عنوانًا ورمزًا للوفاء بدل أن يكون الإيمان بالله تعالى والروح الإنسانية السامية أفضل أنموذج لتحقيق الوفاء والصفات الأخلاقية الرفيعة. وهكذا تسقط الإنسانية وتضيع في لجج المناهج الحديثة من دون أن يشعر أحد؛ ومعها تضيع فرصة بناء ذلك الوعي والشعور اللازم لإدراك أهمية المشروع الحضاري وعظمته.
ومن طرق تشكيل الوعي المرتبط بالمشروع الحضاري الكبير العمل على بناء الوعي التاريخي، الذي يفترض أن يقدم للمتعلم ويعرض له مسيرة البشرية من بدء نشوء المجتمعات على أساس أنها تفاعل مع هذا المشروع. فيقرأ المتعلّم تاريخ العالم باعتبار وجود مشروع إلهي كبير حمل الله تعالى رسله وأنبياءه مسؤولية تحقيقه، واستمر على مدى العصور، وهو لا يزال قائمًا، وقد وصل إلى درجة من التقدم والكمال. ولأجل ذلك، يجب العمل على ترسيخ معاني التقدم والتطور الحقيقي والارتقاء الجوهري للتمييز بينه وبين  مظاهر الحضارة الشكلية والسطحية.
فالتقدّم الحقيقي الذي يجب أن ننشده ونصبو إليه هو ما يتمثل برسوخ القيم الإنسانية الإلهية في الحياة البشرية، والتي يمكن البناء عليها لتشكيل تلك الجماعة القادرة على تطبيق وإقامة هذا المشروع الحضاري الكبير (مشروع سعادة البشرية وخلاصها). فحين نتمكن من عرض الواقع الاجتماعي الكبير وحركة البشرية عبر التاريخ وفق هذه الحقيقة، التي تمثل المحرك الجوهري للمجتمعات، ونظهر الفارق النوعي بينه وبين الظواهر المختلفة، مثل صعود الدول وسقوطها، ونشوء الإمبراطوريات وأفولها، وبناء الأهرامات والأسوار والقلاع والحروب والمعارك والأزمات، فسوف يدرك المتعلم حينها أنّ البشرية، وإن انحرفت وأخطأت وارتكبت الكثير من الفظائع، لكنّها كانت في الوقت نفسه تراكم في داخلها مجموعة من القيم الإيجابية، التي لا بد أن تصل يومًا  إلى مستوى يكون عاملًا أساسيًّا لقيام الجماعة الصالحة التي ستنهض بأعباء هذا المشروع وتوصله إلى غايته.
حين يتمكن المتعلم من رؤية الحياة كما هي في الحقيقة، لن ينخدع بعدها بهذه الظواهر: ناطحات السحاب، التكنولوجيا، الطائرات، العدد الكبير لسكان دولة، الدخل القومي الكبير.. فكل هذه المدنية وهذا العمران وهذه الآلات والأدوات لن تكون عاملًا يصرف ذهن هذا المتعلم عن حقيقة ما يجري، وسوف يجد نفسه منخرطًا بسهولة في المكان والموقف الحق الذي يعمل بصدق ووفاء على تحقيق صلاح البشرية والأرض.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center