Home مقالات

أفضل وسيلة لتقويم شخصية الطالب المدرسي

أفضل وسيلة لتقويم شخصية الطالب المدرسي

السيد عباس نورالدين

تكاد مدارس اليوم تقف عاجزة تمامًا أمام اجتياح الأفكار والتقاليد الغربية للشباب؛ فجيل اليوم يتعرض منذ بداية حياته لكل أنواع الغزو الثقافي الذي يستهدف عقائده وقيمه وسلوكياته، من دون أن يمتلك أي قدرة على المقاومة. كل ذلك لأنّ هذا الغزو كان يتسلح بشتى أنواع المغريات والجاذبيات التي تخاطب الفطرة وتستنفر الغريزة، وتقدّم نمطًا للعيش البادي بالفرح والسعادة والحيوية والبهجة والانطلاق.
هذا في الوقت الذي تفتقد برامجنا ومناهجنا للقدرة التنافسية في مجال الفرح والنشاط.
إنّ عجزنا عن تقديم نمط العيش البهيج المليء بالأمل والاندفاع، يمثل أكبر ثغرة يمكن أن ينفذ منها الفكر الغربي بأدواته المختلفة. هذا بالرغم من الفارق النوعي بين ما نؤمن به وما يعملون عليه؛ فمتى كان الحق يُقاس بالباطل؟ ومتى كان الحسن يغلبه القبح!
بيد أنّ أعداء أمتنا عرفوا كيف ينفذون إلى عقول الشباب وقلوبهم، فأعدّوا لذلك كل أنواع البرامج والخطط والمشاريع التي وجدت في التعليم منذ الصغر أفضل أرضية لتطبيقها. وهكذا بات التعليم المدرسي أهم نقطة ضعف لمجتمعنا بدل أن يكون عنصر بنائه وتقويته.
وإلى أن نتمكن من استكشاف نمط العيش الإسلامي الشامل لكل أبعاد الإنسان والحياة، وحتى يأتي اليوم الذي تظهر فيه جمالية الحياة وروعتها وبهجتها في ظل الإسلام، فإنّ الوسيلة الوحيدة لصد هذا الاجتياح تكمن في مبدإٍ أساسي وهو "كشف الخداع والمؤامرة التي تقف وراء ذلك الغزو الخبيث".
كل إنسان سوي لا يمكن أن يقبل بأن يُخدع. ولو عرف الناس ما تخفيه كل هذه الإعلانات والادّعاءات المرتبطة بالغذاء والدخان والمستحضرات واللباس والفنون والعلوم والتكنولوجيا وكل شيء يصدّر إلينا من الغرب، لأعرضوا عنها وكفروا بها.
حين يدرك الشباب أنّ وراء برامج مسابقات الغناء خطة خبيثة تنفذها جهات تابعة للإنكليز في منطقتنا، فلن يقدروا بعدها على مشاهدة أي حلقة منها. وحين يتعرفون إلى من يقف وراء الشركات الكبرى للإنتاج الغنائي، وكيف تعمل هذه الشركات على صعيد استغلال المطربين الصاعدين في حفلات مجون الأمراء العرب، وأي أعراض تُهتك وأي فساد يعيثونه بواسطة ذلك، فلن ينظروا بعدها إلى هؤلاء "النجوم الصاعدة والمتألقة" على أنّهم أشخاص موهوبون، بل مجرد أُناس تم التلاعب بهم من أجل صرف الشباب العرب عن تجربة المقاومة الشبابية المذهلة.
حين يعرف الشباب أهداف الجامعات الأمريكية في بلادهم على صعيد إعداد الطبقة الحاكمة التي ستقرر مصيرهم بحسب أجندات معدة سلفًا، فلن يتسابقوا للانتساب إليها متفاخرين متباهين.
حين يعرف الشباب كيف يتم التخطيط للموضة والأزياء لأجل إشاعة التحلل والتهتك وتهييج الغرائز الحيوانية، فلن يكون هذا اللباس أو ذاك مدعاة فرح لهم.
وباختصار، إنّ أحوج ما نحن إليه الآن ـ إن أردنا أن ننجح في تجنيب أبنائنا مثل تلك العبثية والانحطاط الشامل الذي يريد سلبهم كل مقومات القدرة والعزة والكرامة ـ هو كشف كل هذا الخداع الذي يقف وراء جميع هذه المنتجات والبضائع والتيارات والدعوات.
لو علموا كيف يتم استغلالهم والتلاعب بهم من قبل شركة الفايسبوك التي تقدّم بياناتهم والمعلومات الوفيرة عنهم إلى أجهزة التخطيط المركزي في المخابرات الأمريكية، لما تهاونوا في عرض خصوصياتهم على هذه القناة الاجتماعية.
إنّ التاريخ المعاصر حافل بالمؤامرات التي أرادت أن تخدع شعوبنا فتخيفها من المقاومة وتثبطها عن النهوض وتطمعها بمكاسب تافهة. وقد نجح الكثير من هذه الخطط وانطلت أحابيلها على شعوب ساذجة لا تمتلك أدنى مقومات الوعي. ففي إيران، تم إسقاط نظام شعبي بقيادة الزعيم محمد مصدّق بواسطة ألاعيب حاكتها أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية، وها هي اليوم يعاد استخدامها في البلد نفسه، فتنطلي على أكثر الشباب فيه؛ كل ذلك لأنّ مسؤولو نظام الجمهورية الإسلامية هناك لم يؤمنوا بضرورة اعتماد أسلوب كشف الخدع (مع ما يستلزمه ذلك من شفافية وجرأة وصراحة).. فشاهدنا شباب الجامعات يخرجون إلى الشوارع في فتنة عام 2009وهم يدعون إلى إسقاط نظامهم الشعبي، الذي قام على ثورة عارمة مليئة بالتضحيات والنضال العظيم؛ يفعلون كما فعل آباؤهم أو أجدادهم قبل حوالي خمسين سنة، وهم غير مدركين أنّه يتم التلاعب بهم بواسطة عشرات الدعايات المبنية على فهم دقيق لنفسية الإيراني وكيفية تفكيره ودرجة تأثره بالإشاعات وو...
رغم أنّ كتب التاريخ المدرسية تتحرى الدقة في تقديم التاريخ الحديث هناك، لكن ذلك لا يكفي لكشف الخداع المرتبط بعشرات الأبعاد الأخرى للحياة. فصناعة التاريخ لا تجري على يد حفنة من المسؤولين فحسب، وإنّما يقوم به شباب ينزلون إلى الشوارع ويهتفون مطالبين بإسقاط الحجاب والسماح لهم بفتح المراقص والملاهي الليلية وعرض الأغاني الماجنة، وهم في الوقت نفسه يرون نظامهم الإسلامي أكبر حائل أمام حريتهم وسعادتهم وانطلاقتهم.
انظروا كيف استطاعت شركة بريطانية، تعمل لحساب الجماعات الرأسمالية الكبرى في الدول المختلفة (وهي شركة كامبريدج اناليتكا)، أن تجيّر الانتخابات في جزيرة ترينداد وتوباغو لمصلحة الهنود على حساب السود الذين كانوا ينافسونهم على مقاعد البرلمان. لقد درست هذه الشركة عقلية الشباب المتحدرين من أصل هندي وأدركت أنّ نسبة كبيرة منهم ذات طبيعة متقيدة بطاعة الوالدين واحترام الأهل بخلاف الشباب السود. فعمدت إلى اطلاق حملة خاصة تستهدف الشباب كلهم على هذه الجزيرة من دون تمييز بين الأسود والهندي، وذلك لمقاطعة الانتخابات تحت حجة أنّها لا تأتي إلا بالفاسدين! ورصدت لأجل ذلك أنواعًا من البرامج والأغنيات الشبابية الراقصة، وأطلقت لها الشعارات الجميلة المرتبطة بالحرية وحقوق الشباب وهي تخاطب عقولهم وقلوبهم؛  فتبنى الكثيرون منهم خيار المقاطعة. حتى إذا جاء يوم الاقتراع غلّب أكثر الشباب الهنود خيار أهلهم بحكم القيم الأسرية الشائعة عندهم، نتيجة نفوذ الأم وهيمنتها على الأسرة الهندية؛ وفاز الهنود نتيجة ذلك بالأغلبية التي جعلتهم يتحكمون بالبلاد.
هذا نموذج من مئات النماذج التي لو تعرف الشباب إليها وإلى مشغّليها وكيفية عملها ومصادر تمويلها وارتباطاتها، ثمّ عرفوا تفاصيل خطتها وكيفية تطبيقها عليهم، لانقلب سحرها على ساحرها، ولحصل الشباب على مناعة قوية تجاهها.
إنّ تبني مبدأ كشف الخداع يتطلب ذكاءً خاصًّا يجتمع مع الاعتقاد بأهمية الكشف والحديث عن المنكرات بوضوح وصراحة، بدل سياسة الاختباء وراء الإصبع. ففي تجربتنا المتواضعة، نجد بعض الرؤوس يطلون علينا ويعترضون فقط حين يسمعون عن مقال أو مقطع إعلامي نشرناه وهو يحكي بصراحة عن مشكلة حرجة، وتراهم يعدّون ذلك نوعًا من إشاعة الفاحشة في المجتمع. هذا بالرغم من شيوع هذه المشكلة وانتشارها وحديث الجميع عنها، إلا نحن.
أجل، هناك خيط رفيع بين الكشف والإشاعة، ويجب أن نحدده. لكن حين تكون الفاحشة شائعة، فلا يبقى محذور الإشاعة موجودًا.
إنّ ذكر الكثير من المنكرات والقبائح، التي تقف وراء الإعلام الخادع للغرب، لا علاقة له بتهييج الغرائز وإثارة النوازع؛ خصوصًا إن جرى الحديث والبيان في إطار الكشف عن الأسباب والعوامل التي تصنعها وأهدافها.
يجب أن يتعرف شباب اليوم إلى قصة الشذوذ الجنسي منذ بدايتها وحتى يومنا هذا وإلى ما ستؤول إليه في المستقبل وكيف يتم استغلالها للضغط على مجتمعاتنا وتجريدها من قيمها الجميلة وإسقاطها في هاوية الضياع والعبثية. ولا يكفي أن نعلن عن مجموعة من الأحكام الشرعية لإيقاف هذا الاجتياح الذي يبدأ أولًا في استهداف العقول، ليصل إلى مستوى الممارسة المتجاهرة.
فنحن أمام تحديات كبرى ستحدد مصير مجتمعاتنا إلى الأبد. ولا سبيل لمواجهة هذه التحديات والتعامل معها إلا بكشف من يقف وراءها ويعمل على خداعنا وتوجيهنا نحو ما يريد.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center