Home مقالات

المدرسة الواقعية.. كيف ستكون مدرسة المستقبل

المدرسة الواقعية
كيف ستكون مدرسة المستقبل

السيد عباس نورالدين

حين يكون المجتمع حرًّا ويمتلك أبناؤه الوعي الكافي لتقرير مصيرهم، هكذا ستكون المدرسة.
إنّ أفضل إطار تنظيمي للمدرسة يتمثل في الأبعاد القيمية التي تضمن نموًّا حقيقيًّا وسريعًا للشخصية؛ وذلك بأن تكون المدرسة نموذجًا مثاليًّا للعالم الذي يُفترض أن يعيش فيه الإنسان لكي يتكامل ويحقق أفضل وأعلى مستوى من التفاعل مع عناصره ومكوّناته.
المدرسة القيمية هي تلك المؤسسة التي تحترم القيم الأساسية للحياة الطيبة وتعمل على تعزيزها من خلال الالتزام الدقيق بها. ولأجل ذلك، لا ينبغي أن تكون المدرسة سلطة تمارس الضغط والقهر والتقييم والتصنيف، لأنّها ليست المحكمة الشرعية ولا تمتلك القدرة ولا المنزلة لتكون سلطة تنفيذية تفرض على طلابها مجموعة من الواجبات وتعاقب على إهمالها.
المدرسة هي المكان الذي يُفترض أن يختبر الطالب فيه المساندة والإعانة على ما يحتاج إليه ليكون إنسانًا كاملًا. ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال سيادة الروح الإنسانية المفعمة بالمودة والنصح والإرشاد والتعاون.
المدرسة الحقيقية هي المؤسسة التي ينظر إليه الطالب كمحل يرجع إليه ليتعرف إلى أشخاص يساعدونه على فهم المسائل التي يحتاج إلى معرفتها، وكمحل يمكنه أن يلتقي فيه بزملاء يوطد معهم علاقة التعاون على حل المسائل وتنفيذ المشاريع والتخطيط للأعمال الكبرى.
المدرسة الحقيقيةهي المكان الذي يمكن أن يوفر الإمكانات المناسبة لتطوير المهارات المختلفة التي يحتاج إليها الطالب ليكون إنسانًا فاعلًا ضمن المشروع الحضاري الكبير.
 أما السلطة العليا التي يحق لها اتّخاذ القرار بشأن مصلحته، فهي أبواه دون غيرهما وإليهما يرجع أمر التقييم والتقويم. فلهما الحق في الحصول على أي تغذية راجعة بشأن أداء ولدهما وهما اللذين يحددان إن كان يؤدي ما أمراه به وطلباه منه واتّفقا عليه معه.
ليس للمدرسة الحق في القيام بأي نوع من أعمال التقييم إلا إذا طلب المتعلم ذلك بعد بلوغه، ولا ينبغي للمدرسة فعل ذلك إلا بإجازة صريحة منه. فهو غير مسؤول أمام أحد سوى والديه اللذين يتوليان تربيته بحكم المسؤولية الشرعية وما يكتنفها من عاطفة واهتمام وحرص لا يمكن أن يوجد خارج إطار الأسرة.
يجب أن تؤكد المدرسة على طبيعة العلاقة بينها وبين طلابها وتحرص على تعميق وعيهم بدورها هذا، لكي يزداد حرصهم واهتمامهم بكل ما يمكن أن توفره لهم من خدمات علمية وإعدادية وترفيهية وغيرها.
حين يذهب طالب العلم إلى هذه المدرسة، يكون مدركًا تمامًا أنّه جاء ليستفيد ويتعلم ما ينفعه في حياته ومستقبله؛ ولأجل ذلك فإنّ أهم ما ينبغي تثبيته هنا هو وعي هذا الطالب لما يحتاج إليه في الحياة وعدم فرض أي شيء عليه باعتبار أنّ المدرسة (أو الحكومة) أدرى بمصالح الناس.
وفي ظل هذه المدرسة يتعلم الطالب كيف ينظم برنامجه العلمي بما يتناسب مع قدراته ورغباته، مع تقديم كل الدعم والتوجيه والنصح المفيد للتعامل مع تحديات الحياة ومتطلبات المشروع الإسلامي.
وفي ظل هذه المدرسة، يعيش الطلاب أعلى مستوى من التنافس من خلال بناء مضامير للسباق في مختلف الميادين، حتى يختار الطالب ميدانه ويحدد طريقته في السير على هذا المضمار أو ذاك، وينال المدح والتقدير والثناء من والديه قبل أي شيء، ومن المجتمع الذين يمكن أن يستفيد من أعماله وخدماته ثانيًا.
إنّ المعلم في هذه المدرسة ليس سلطة، بل هو إنسان محب يتولى تقديم المعلومات بأيسر طريقة ويساعد كل طالب على فهم المعقد منها ويوصله بكل قنوات المعرفة المتاحة في العالم؛ والأهم أنّه نموذج للإنسان الذي يستعمل المعلومات والمهارات في الحياة بصورة تخدم المجتمع. فلا ينبغي أن يكون المعلّم مجرد معلم، بل هو مهندس أو طبيب أو قائد أو مدير أو تاجر أو مزارع يعمل بعلمه وينقل تجاربه لطلابه.
وينتخب الطلاب كل حين شخصًا من بينهم ليتولى بعض المهام الإدارية التي تسهل حركتهم في المدرسة وبين مرافقها. وإنّما يقوم الأهل بالتعاقد المباشر مع المعلم والاتفاق معه على تعليم ولدهم ما يحتاج إليه، ويتواصلون معه حتى يبلغ ولدهم الوعي المطلوب لتقويم نفسه والقيام بهذا العقد مع من يختار من المعلمين.
إنّ إدارة المدرسة هي التي تحرص على تأمين أفضل الخبرات والتواصل معها ليكون لها حضور مناسب في هذه المؤسسة، لكنّها تتشارك في ذلك مع أولياء الأمور الذين يمكن أن يجتمعوا ضمن أطر مناسبة كالجمعيات، حيث يتابعون أفضل الطاقات اللازمة ويقترحونها على إدارة هذه المؤسسة.
إنّ المدرسة الواقعية هي التي تنبع من الناس وتُدار بواسطة أولياء الأمور عبر تمثيل يخضع دومًا للمساءلة والمحاسبة والتقدير والاهتمام.

*** لا تنسوا أن تشاركونا بآرائكم حول المدرسة الواقعية


كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center