مراحل التعلّم وأهدافها
السيد عباس نورالدين

إذا أردنا أن نعرض للأهداف التربوية، وتصورنا أنّ كل إنسان يمكن أن يمر بثلاث مراحل أساسية في التعلم، وتوجهنا إلى الهدف الأسمى من وراء رحلة الإنسان التعلّمية في هذه الحياة، وذلك بالنظر إلى روح الإسلام وتعاليمه، التي تؤكد على أنّ التفاعل الإيجابي البناء مع عالم الوجود بكل مراتبه وأبعاده وتقسيماته هو الذي يضمن للإنسان اكتشاف حقيقة الحضور الإلهي في الوجود، ويؤدي ذلك حتمًا إلى معرفته والخضوع له وعبادته، التي تُعد وسيلة الإنسان لبلوغ مقام العبودية ومقام الكمال المطلق الذي شاء الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الإنسان مظهرًا تامًّا له؛
بالنظر إلى ذلك ينبغي أن تتوجّه أهداف كل المراحل التعليمية إلى هذا الهدف الأسمى، وأن يكون التعليم وسيلة لتفعيل حضور الإنسان في هذا الوجود مثلما أنّه يكون وسيلة لتفعيل حضور الوجود في مدركات الإنسان أو قواه الإدراكية من العقل والقلب وحتى الحس والخيال.
إذا أردنا أن نقسم هذا الهدف الأسمى على المراحل الثلاث:
فإنّ المرحلة الأولى ستكون عبارة عن تهيئة الطالب لاكتشاف مدى سعة الوجود بحيث يرغب كثيرًا بالتفاعل معه ويبدأ بالتعرف على أهم وسائل هذا التفاعل. في المرحلة الأولى، فإنّ الهدف الأول هو العمل على تأسيس كل المقدمات اللازمة لبناء رؤية كونية عميقة ومتينة حول الوجود؛ وهذا يعني التوجه إلى قوى الطالب الإدراكية والسعي لتقويتها وتنميتها، من خلال كل أنواع التمارين المفيدة التي تكون عاملًا أساسيًّا لتحقيق ذلك.
إنّ امتلاك الإنسان للقوى الإدراكية السليمة والقوية يمكنه من إدراك أبعاد الرؤية الكونية ومعرفة الوجود كما هو ومعرفة حقائقه الكبرى والمصيرية، وهذا ما يقتضي العمل على حماية هذه القوى الإدراكية لدى المتعلم من شتى أنواع العبث واللهو والانشغالات التافهة والمغالطات وأنواع الآفات والأمراض النفسية والقلبية. فقلب الإنسان إذا مرض بالحسد أو العجب أو حب النفس سيعمى عن مشاهدة تلك الحقائق الكبرى. والهدف الثاني في هذه المرحلة الأولى يقتضي العمل على توسعة آفاق الوجود أمام ناظري المتعلم مهما أمكن. يجب أن يكون المنهاج التعليمي منصبًّا على أن يدرك المتعلم مدى سعة هذا الوجود، بحيث يعلم أنّ هذا الوجود بكل آفاقه وأبعاده هو ميدان سفره واكتشافه واستطلاعه واستفادته، فيتأمن عندئذ المستلزمات الضرورية لتحقيق الهدف الثالث وهو ما نعبر عنه بالرغبة الشديدة بالتفاعل مع الوجود. إنّ إيجاد الرغبة وتقوية هذا الاندفاع نحو التفاعل مع الوجود يُعد هدفًا أساسيًّا في التعليم، خاصة في المرحلة الأولى لأنّها تؤسس لعلاقة الطالب بالعلم. فينبغي أن يكون العلم بالنسبة للمتعلم وسيلة أساسية للتفاعل مع هذا الوجود والاستفادة منه.
أما الهدف الرابع فيمكن التعبير عنه تحت عنوان تعريف المتعلم على أهم وسائل التفاعل مع هذا الوجود؛كيف يمكن أن يستفيد من هذا الوجود ويفيده أيضًا، باعتبار أنّه عنصر فاعل وليس منفعلًا. ولا نكتفي بالتركيز على الوسائل المادية أو التكنولوجية لتحقيق هذه الاستفادة كما يجري اليوم، بل ينبغي أن يتعرف المتعلم على كل الوسائل المعنوية والذهنية والفكرية والنفسية التي تمكّنه من تحقيق هذا التفاعل بأفضل صورة. وهذا ما يقتضي أن يتعرف الطالب في هذه المرحلة على نماذج مختلفة لهذا التفاعل، حتى ينتقل إلى المرحلة الثانية وهو مستعد لنقد هذه التجارب ودراسة هذه النماذج لاستخلاص نقاط قوتها وضعفها ومنافعها ومضارها، حتى لا يكون مسخِّرًا سلبيًّا لهذا الوجود، كما يحصل الآن مع عالم الطبيعة.
أما المرحلة الثانية فإنّها تهدف إلى تثبيت الأهداف الأربعة الأولى والانطلاق منها والعمل عليها أيضًا مع إضافة هدفين أساسيين. الأول هو التأسيس لامتلاك مهارات التفاعل. فما هي الإمكانات اللازمة التي ينبغي أن يحققها الإنسان ليتقن عملية التفاعل مع هذا الوجود؟ ففي المرحلة الأولى تعرف المتعلم إلى هذه الوسائل، لكنّه في المرحلة الثانية سيتعرف إلى كيفية امتلاك هذه الوسائل وإتقان استعمالها ليتفاعل مع هذا الوجود بشكل إيجابي. والهدف الثاني الذي يمكن إضافته ها هنا هو أنّ هذه المرحلة ينبغي أن تصل بالمتعلم إلى مستوى امتلاك الرؤية الكونية العميقة والمتينة حول الوجود بعد أن تمّ التأسيس لها في المرحلة الأولى، وتقوية كل الوسائل الإدراكية والتفاعلية مع هذا الوجود. وهكذا ينتهي المتعلم من هذه المرحلة وقد استطاع أن يفهم ويتعرف إلى الحقائق الأساسية ويؤمن بها إيمانًا عقليًّا تصديقيًّا ويعرف آثارها في الحياة ويميز بين هذه الحقائق ويدرك منظومتها والعلاقة فيما بينها.
أما المرحلة الثالثة من التعليم فإنّها تهدف أولًا إلى ترسيخ كل إنجازات المرحلة الثانية والعمل عليها. فالطالب في هذه المرحلة يستمر في معرفة آفاق الوجود وتزداد رغبته في التفاعل معه وتزداد معرفته بكل الوسائل التي استخدمها البشر في تسخير هذا العالم، بالإضافة إلى معرفة نقاط ضعفها وقوّتها ومنافعها ومضارها. لكنّه مع نهاية هذه المرحلة يكون قد أتقن أهم مهارات التفاعل مع الوجود. وأما الهدف الآخر الذي يمكن إضافته إلى هذه المرحلة فهو أنّ المتعلم يصبح قادرًا على دعوة الآخرين إلى ما آمن به، والدفاع عن رؤيته الكونية وكشف المغالطات بشأنها، والقدرة على معرفة الحق من الباطل في كل رؤية كونية مطروحة في هذا العالم، فيتهيّأ للتعامل مع كل الرؤى الكونية بصورة إيجابية؛ فهو يدعو إلى ما آمن به ويدرك الحق الموجود عند الآخرين، كما أنّه يعرف الباطل، وهو يؤمن بأهمية الدعوة إلى أفكاره التي آمن بها.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center