Home مقالات

حقائق وأسرار الدين للعلن.. لماذا يشطح البعض وينحرفون بالمعرفة؟

حقائق وأسرار الدين للعلن
لماذا يشطح البعض وينحرفون بالمعرفة؟

السيد عباس نورالدين

هل يصح تحديد أسقف لمعارف الناس؟ ومن الذي يحقّ له أن يفعل ذلك؟

  يحفل التراث الإسلامي الواسع بذكر قضايا غريبة وعجيبة لا يعرفها عامة الناس، بحيث لو اطّلعوا عليها لأنكرها بعضهم أشد الإنكار واستهجنوها. والأسوأ من ذلك أن ينهضوا لتكفير أصحابها ورميهم بكل أشكال التهم الشنيعة؛ وقد رُوي عن الإمام زين العابدين عليه السلام هذا الشعر:[1]
 ورب جوهر علم لو أبوح به            لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي             يرون أقبح ما يأتونه حسنًا
  لقد نشأت البيئة المسلمة على مدى العصور على الحساسية الفائقة تجاه الشرك، فاستغل من استغل هذه الحساسية لتصفية حسابات مع الخصوم والأنداد، وتم إعدام وإحراق العديد من الأشخاص بتهم الزندقة والشرك والإلحاد الباطلة. وما زالت بيئتنا العلمية على وجه العموم حافلة بالنماذج التي تسارع إلى إصدار مثل هذه التهم والتكفير لأدنى شبهة ترتبط بهذا الموضوع الحساس.
وبالرغم من وجود تحقيقات مميزة حول العقائد، فإنّ أساتذة هذه البيئة وعلماءها لم يتفقوا لحد الآن على وضع معايير ثابتة تتعلق بالتوحيد والشرك؛ فترك الباب واسعًا أمام اجتهادات الصغار وتأويلاتهم هو ما يبقي على هذه الحالة المتفلتة التي يتم فيها استغلال أنواع الأفكار في الاتّجاهين: الأول التكفير، والثاني الغلوّ.
وبالنسبة للحريصين على عقائد الناس ومسالكهم، فإنّ أسوأ شيء يمكن أن يحدث هنا هو ما يمكن أن يصدر من أصحاب المعارف العميقة والغريبة من ادّعاءات ترتبط بالمقامات الروحية والإلهية وحتى الدنيوية، تجر الناس نحو تشكيلات وتجمعات تعمل على ضرب الإسلام والمسلمين وشق عصاهم. ولو تأملنا قليلًا لوجدنا أنّ العامل الأول الذي يوفر الأرضية الخصبة لمثل هذه الادّعاءات ورواجها يرجع بالدرجة الأولى إلى جهل الناس بهذه الحقائق أو المعارف المرتبطة بها؛ لأنّ أصل هذه الدعوات يتمثل في الإتيان بشيء غريب مجهول عجيب فريد. ولو فرضنا أنّ الناس كانوا يعرفونه مسبقًا لما قدر هذا المدعي أو ذاك على استغلال هذه البضاعة النفيسة والمرغوبة. إنّ معظم الشطحات التي تصدر من أمثال هؤلاء مردّها إلى اعتقادهم بتفردهم في هذه الحقيقة أو ذاك العلم والاكتشاف. لأجل ذلك، فإنّ نشر الحقائق العميقة وإتاحتها للجميع قد يكون أفضل علاج ووقاية من هذه الادّعاءات والاستغلالات.
 إنّ تراثنا المروي والمنقول عن المعصومين يحتوي كذلك على مجموعة مهمة من النصوص والإشارات التي تؤكّد على وجود حقائق ومعارف في الدين، إذا اطّلع عليها الناس أنكروها وربما كفروا بها لأنّهم لن يقدروا على احتمالها أو تحمّلها، كما أنّ الدليل العقلي يمكن أن يثبت وجود حقائق من هذا القبيل. فقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إِنَّ حَدِيثَنَا صَعْبٌ‏ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ عَبْدٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَان‏".[2] وفي حديث أبي الصامت قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "إِنَّ مِنْ‏ حَدِيثِنَا مَا لَا يَحْتَمِلُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا عَبْدٌ مُؤْمِن‏".[3] وما في بعض أخبار الجبر والتفويض كما عن توحيد الصدوق مسندًا عن مهزم عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: فقلت للإمام: "فأيُّ شيءٍ هذا أصلَحَكَ اللهُ؟ قَالَ: فَقَلَبَ يَدَهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً ثُمَّ قال: لو أجبْتُكَ فيه لَكَفَرْتَ".[4]
وما في كتاب البصائر مسندًا عن مسعدة بن صدقة عَنْ الإمام الصادق (ع) قَالَ: "ذُكِرَتِ التَّقِيَّةُ يَوْمًا عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (ع) فَقَالَ: "وَاللَّهِ لَوْ عَلِمَ أَبُو ذَرٍّ مَا فِي‏ قَلْبِ‏ سَلْمَانَ‏ لَقَتَلَهُ، وَلَقَدْ آخَى رَسُولُ اللَّهِ (ص) بَيْنَهُمَا".[5] وفي الخبر، إنّ أبا جعفر (عليه السلام) حدّث جابرًا بأحاديث وقال لو أذعتها فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وفيه أيضًا: "يَا جَابِرُ مَا سَتَرْنَا عَنْكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا أَظْهَرْنَا لَكُم‏".[6]
فهذه الأحاديث يُستفاد منها وجود علوم لو أُذيعت بين الناس لما احتملوها ولكفّروا أهلها وأذاقوهم العذاب، فضلًا عن كفر البعض بها، وهو الذي يُعد نوعًا من الفتنة.
وفي المقابل، هناك ما لا يُحصى من الأحاديث والمواقف المنقولة عن أئمة الدين العظام عليهم السلام تؤكد على أهمية التعليم ونشر المعارف الدينية والحقائق المرتبطة بالله والوجود والمعاد والإنسان. فلا يمكن أن يُستفاد من الأحاديث، الناهية أو المحذرة، حرمة نشر المعارف مطلقًا أو حتى خطأ ذلك، بل غاية ما يمكن استفادته هنا هو وجود بعض المعارف الخاصة التي تتطلب استعدادًا نفسيًّا واجتماعيًّا.
ففي كثيرٍ من الحالات أعرض أهل البيت(ع) عن نشر المعارف لوجود بيئة مضادة ومعادية، تم تشكيلها وصياغتها على مدى عصور العزل والتنكيل بأئمة الدين الواقعيين من قبل حكام الجور وفقهاء السلطة؛ هؤلاء الأئمة الذين لم يُسمح لهم ببيان هذه الحقائق في أجواء سليمة ومتناسبة مع مقتضيات التعليم ومقدماته ولوازم البحث العلمي الحقيقي.
إنّ عزل هذه الأحاديث، الناهية والمحذرة، عن زمانها وظروفها الاجتماعية والسياسية والنفسية لا ينبغي أن يصدر من فقيه متمرس في معارف أهل البيت وأحاديثهم وسيرتهم. ولأجل ذلك، فإنّ أسوأ الأشياء التي يمكن أن يفعلها أي عالم هو أن يستغل جهل الناس هنا ويقوم بتجيير الأحاديث لما يتناسب مع رأيه ومطامعه. 
فما هو الموقف الصحيح من هذه الحقائق الغريبة التي قد تندرج أحيانًا تحت عنوان الأسرار التي يجب كتمانها؟
هناك من يعتبر أنّ إذاعة هذه الحقائق ونشرها بين الناس خطأ كبير، ويتهجم على كل من يُشتم منه رائحة العرفان والعرفانيات، وهو غير عابئ بما يُقال أو يقول، طالما أنّ لديه السلطة لقول ذلك.
وهناك من يصنف الناس ضمن مراتب، ويعتبر أنّ هناك فئة أو شريحة من الناس (قد يُطلق عليها عنوان العوام)، لا ينبغي إطلاعها على هذه الحقائق، للأسباب المذكورة من الشطح والاستغلال السيئ والكفر والغلوّ، وقد يؤيد ذلك بمطالعة سريعة ودراسة عابرة لعلم النفس البشري وتجارب الكثيرين التي يمكن أن تثبت وجود أناس كانوا يستغلون الحقائق العرفانية والوجودية أو القضايا غير المألوفة لمآرب فاسدة ومطامع خبيثة؛ وهذا الأمر ليس ببعيد عن واقع البشر وشواهده عديدة.
من أجل ذلك لا أتصور أنّه يصح النقاش في أصل وجود مثل هذه الحالة على مدى التاريخ؛ ومع التوصيات المؤكدة لأئمتنا الأطهار (ع) بضرورة حفظ الأسرار ورعاية استعدادات الناس وعدم فتنتهم، كما ورد عن الأنبياء العظام (ع) الحثّ على الحفاظ على الحكمة من أن تعبث بها أيدي الناس الجاهلين.
فالحكمة تقتضي هنا أن لا نقدّم للناس من المعارف ما لا يكونون أهلًا لها، فينحرفوا بسبب فهمها فهمًا خاطئًا أو يقوموا باستغلالها للاشتهار بين الناس وجذب القلوب والتحكم بالبسطاء أمثالهم؛ كما حصل من قبل بعض زعماء الطوائف المنحرفة والجماعات الضالة الذين كانوا يستغلون جهل الناس واطّلاعهم على حقائق عظيمة لادّعاء أمور يُقدّسها الناس في العادة، كالنبوة والإمامة الدينية وشيخ الطريقة والولي المرشد وغيرها من المقامات التي يؤمن الناس عمومًا بوجودها وأهميتها في حياتهم.
فبالنسبة للبعض كان يكفي اطّلاع الناس على بعض هذه الحقائق الغريبة حتى يتم إقناعهم بأنّ المتفوّه بها ذو مقام مقدّس، يجب احترامه وتقديره وحتى طاعته والرضوخ له وإيفاء حقوقه الإلهية!
إنّ استغلال الحقائق كان ولا يزال أمرًا شائعًا في العالم، سواء كانت هذه الحقائق ترتبط بالشؤون السياسية والاجتماعية أو بأي علم من العلوم؛ فحتى الأطباء يمكن أن يستغلوا معلوماتهم التي حصلوا عليها في الجامعة لأجل مآرب دنيوية. هذا الاستغلال شائع، وإنّما يتفاقم في المسائل الوجودية والقضايا الإلهية نتيجة تميّز الحقائق المرتبطة بها وأهميتها الفائقة من جهة، وقداسة وعلو شأن المقامات التي يمكن أن يدّعيها المستغلون من جهة ثانية.
ولا شك بأنّ القضية شديدة الحساسية وتلزمنا بضرورة رعاية هذا الأمر وعدم إذاعة الحقائق والمعارف دون هوادة وكيفما كان، من دون التأكّد من حصول الأثر المناسب لها على مستوى الهداية وعلى مستوى بناء الاعتقاد السليم، وعلى مستوى التطبيق والعمل وفقها، وعلى مستوى عدم الاستغلال.

إلّا أنّ هذا التأكّد نفسه هو الذي يقع مورد النقاش والبحث في أوساط المهتمين بتعليم الناس وتربيتهم. فبالنسبة للبعض يكون نطاقه واسعًا جدًّا وتحصيل براءة الذمّة فيه في غاية الصعوبة، إلى درجة تمنعه من أن يأتي بأيّ حديث حول هذا النوع من الحقائق. في حين قد ينظر البعض إلى القضية بالمنظار الكلي والعمومي، فلا بأس في أن يضلّ عدد من الناس طالما تحصل الهداية على نحو عام، سواء في الحاضر أو في المستقبل؛ ولو كان الأمر غير جائز لكان الأنبياء أول من يمتنع عنه. لقد سمعنا وقرأنا عن كثير من أصحاب الأنبياء والمقربين منهم الذين انحرفوا بواسطة العلوم التي حصلوا عليها من الأنبياء أنفسهم؛ ولم يكن السامري أو ذاك الذي آتيناه آياتنا آخر هؤلاء.
لأجل ذلك سيكون الخلاف أو النقاش بشأن قضية النشر والترويج والإذاعة مصداقيًّا. فالفقهاء سيجمعون على أنّه ينبغي أن لا نعطي الحقائق والأسرار والحكم إلّا لأهلها، ممن يتمتعون بالاستعداد المناسب للاستفادة منها استفادة صحيحة؛ لكن من الذي يحدد صفات وعلامات ومصاديق أهل الحقائق؟ وهل أنّ الجهل بحد ذاته هو المانع؟ فلو كان كذلك لما كان هناك تعليم عند الأنبياء والأوصياء أصلًا. فمن الذي يقدر على تشخيص أنّ هذا الفرد سيضل أو لا، أو أنّ هذه الجماعة ستنحرف أو لا، أو أنّه لا بأس بحصول هذه الضلالة الفلانية والاشتباه عند البعض طالما أنّ الأكثرية مستفيدة ومهتدية.
ومن المهم هنا أن نشير إلى دور وأهمية الأثر المعنوي لذكر الحقائق الفريدة ـ أي الحقائق التي تكون جديدة وغريبة بالنسبة للناس. فهو العامل الأول وراء خروج الناس من المحدودية المعرفية والضيق المعنوي الذي وضعوا أنفسهم فيه ومنعهم من التوجه إلى الآفاق الواسعة للوجود. ولولا وجود من يُحدِّث الناس بهذه الحقائق، لما تغيّر واقعٌ أبدًا.
 إنّ العنصر المحوري في الهداية وفي الارتقاء بالمجتمعات البشرية يكمن في تلك المعارف الجديدة التي ستكون ـ بطبيعة الحال ـ مورد إنكار واستهجان الناس الذين اعتادوا على نمط معيّن من الحياة ووجدوا أنّ مصالحهم تقتضي الحفاظ على الأعراف والتقاليد والمعارف السائدة. وفي كل زمان هناك حراس يحافظون على الأوضاع القائمة ويصدون عن أي تغيير أو تقدّم؛ وهؤلاء سوف يرون في الحقائق الجديدة أكبر تهديد لمصالحهم وعروشهم.
إنّ أي نقلة نوعية في الحياة الاجتماعية تبدأ بإحداث صدمة معرفية في وجدان الناس، تجعلهم يستاؤون من وضعهم ويرفضونه، ويتطلعون إلى بلوغ تلك الحقائق والمعاني الجديدة. فالحقائق الجديدة ستكون بمنزلة شرارة الانفجار الاجتماعي الكبير الذي يُفترض أن تكون تداعياته على مستوى الحياة البشرية تقدمية إصلاحية. وقد ذكر الله سبحانه في كتابه العزيز هذا الأمر باعتبار أنّه أثر طبيعي لما كان يقوم به الأنبياء المرسلون (ع)، وكيف أنّ مجيئهم بالعلم كان يؤدي بشكل تلقائي إلى اختلاف الناس: {كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فيمَا اخْتَلَفُوا فيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فيهِ إِلَّا الَّذينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُم‏‏}،[7] {وآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}.[8] فالقرآن الكريم يبيّن أنّ الناس اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم، وأنّ العلم هنا مثار الاختلاف، لكن سببه الأصلي ليس العلم بل الرغبة والاندفاع عندهم للبغي، وإنّما استغلوا هذا العلم لتحقيق مآربهم البغيضة وشقوا صفوف الناس.  فلو كانت حالة الاختلاف ممنوعة مطلقًا ومضرّة أبدًا، لما بعث الله الأنبياء بالعلم، ولترك الناس أمة واحدة.
لأجل ذلك، فإنّ مجرد حدوث انقسام واختلاف بين الناس ليس بالأمر القبيح، وما هو خطأ ومذموم إنّما هو حصول الاختلاف بين أهل الحق والسائرين على طريق الحق. أمّا إذا كان الناس غافلين عن الحق والحقيقة وسادرين في غفلتهم وضياعهم وسذاجتهم، فلا بأس من إيجاد شقٍّ بينهم إذا كان ذلك سيؤدي إلى انبعاث جماعة صالحة طالبة للحقيقة.

من هنا فإنّ ذكر المعارف والحقائق الكبرى الملكوتية والغيبية التي ترتبط بأسرار هذا العالم وماورائياته يبعث الناس على التفكر خارج نطاق حياتهم الضيقة واهتماماتهم المحدودة، وهو بحد ذاته العنصر المحوري في بعث الحياة الروحية في البشر، لأنّ ارتباط الإنسان بالحقائق الكبرى وتوجهه إليها بالتأمل والتفكر هو الخطوة الأولى في رحلته المعراجية المعنوية.
لا يمكن للإنسان ولا للمجتمع أن يتحرك على طريق الارتقاء الروحي والتكامل المعنوي ما لم يعرف مسبقًا وجود هذه المقامات التي تنتظره والحقائق الكبرى التي ينبغي أن يشهدها ويتصل بها. فلو فرضنا أنّه يوجد مجتمع لا يعرف من هذا الدين إلّا الحلال والحرام، فإنّ هذا المجتمع لن يتمكن من تطبيق الشريعة وإقامتها في حياته والالتزام بالواجبات وترك المحرمات؛ فمجرد هذا المستوى من المعرفة لا يكفي، بل لا بد من وجود أهداف سامية ومقامات رفيعة تشتاق إليها الأنفس بحسب الفطرة وتكون دافعًا للالتزام بالشريعة.
أولئك الذين يظنون أنّه بمعرفة الحلال والحرام فقط يمكن هداية المجتمع وبناء الإنسان الكامل، هم واهمون، وأتصور أنّهم لا يمتلكون الخبرة والتجربة المرتبطة بالدعوة والتبليغ والتعليم، وإنّما يكتفون باتّخاذ المواقف بناءً على معلومات تردهم حول انحراف هذا أو ذاك، غير ناظرين إلى الآثار العظيمة والواسعة لتلك المعارف العميقة.
وأحسب أنّ هؤلاء يستغلون انحراف البعض، واستغلال البعض الآخر للحقائق والمعارف الكبرى، للطعن بهذا المنهج، وكأنّهم قد فرغوا من تقديم تجربة ناجحة في الهداية والإعداد والتأثير! إنّ حال المجتمع الذي لا يعرف من الدين إلّا الحلال والحرام لن يتعدى الجمود والتحجر والقشرية؛ وإن التزم بشيء من الحلال والحرام فلن يكون نتيجة التقوى ونية القربة وإنّما على أساس العرف والعادة. إنّ تقوى الله تنبعث في قلوب أهل الفكر والمعنى والعلم، وقال تعالى: {إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ}؛ والعلم المفيد هنا هو العلم الذي يكشف للإنسان ما ينتظره من ثواب ومقام وحقائق، إن هو سلك طريق الشريعة.
وللذين وضعوا أنفسهم حراسًا على عقائد الناس وصاروا مؤتمنين على حياتهم المعنوية وعلاقتهم بالله وتقواهم، ينبغي أن تعيدوا النظر بشأن هذه السياسات وهذه الأفكار التي تدعو إلى صدّ الناس عن هذه الحقائق بحجة الحفاظ عليهم وعدم انحرافهم، حيث تستغلون مناصبكم ومقاماتكم الاجتماعية للتعرض أو فتح باب الطعن والتعرض للذين يُبلِّغون هذه الحقائق ويعملون على نشرها وتعليمها. هذه المواجهة التي تصل بالبعض  إلى حدّ الجرأة على التشهير والطعن وهتك الحرمات تحت عنوان أداء التكليف والبهتان باعتبار أنّ الحديث أمرنا بمواجهة أهل البدع كيفما كان. إنّ هذه السياسات خطرة للغاية لأنّها ستسقط الجميع؛ ولن يبقى عند الناس أي قداسة لأحد.
فلئن كان البعض بالنسبة لكم يتجاوزون هذه الخطوط الحمراء ويبثون هذه المعارف التي مزح أستاذ الإمام حين وصفها بالكفريات في تلك القصة المشهورة، حين سأله الإمام (قده) أنّه لماذا يحدث الناس في سوق قم بهذه الحقائق العجيبة؟ فقال له: دع هذه الكفريات تطرق أسماع هؤلاء. فهذا الأستاذ الجليل ـ الذي كان الإمام دائمًا يذكره ويقول: "روحي فداه" ـ كان قد شخّص في زمانه أنّه لا بد من إحداث نوع من الهزّة في الأوساط التي غطّت في سبات عميق ولم يعد الإسلام في حياتها إلّا تلك القشور والطقوس. فالإمام هنا أيضًا شخّص في بداية انتصار الثورة أنّه ينبغي أن يوجّه حديثه إلى الجمهور عبر شاشات التلفزة ويحدثهم عن تلك الحقائق التي كان يعتبرها البعض من الكفريات. وصحيح أنّ الإمام انسحب بعد الدرس السادس، لكن موقفه هذا بقي، وبقيت تلك الحقائق التي أذاعها نموذجًا للموقف الصحيح اتجاه هذه الحقائق. هذا الإمام الذي كان أحرص أهل زمانه على عقائد الناس.
لا ننس أنّ الاستغلال البشع للحقائق والمعارف العميقة من قبل البعض لتمرير ادّعاءاتهم وتصوير قداستهم ومقاماتهم إنّما يسري في المجتمع الذي يجهل بهذه الحقائق. وكلما زاد جهل الناس، أصبح استغلالهم بواسطة هذا النوع من الحقائق أسهل. فإذا أردنا أن نصون الناس ونصون هذه الحقائق من العبث، فإنّ الوسيلة الوحيدة تكمن في نشر هذه المعارف وإذاعتها وجعلها ميسرة للجميع. حتى ضعاف الإيمان حين يرون شيوع هذه الحقائق، فإنّهم لن يشطحوا بسببها، ولن تسول لهم نفوسهم السير في الاتجاه الخاطئ، لأنّ أكثر الانحرافات التي وقع فيها الأفراد في هذا المجال، إنّما كانت لأنّهم تصوروا أنّهم قد اكتشفوا حقيقة لا يعلمها أحد، وبذلك رأوا لأنفسهم شأنية مميزة ومقامًا عظيمًا ومنزلة رفيعة.

 

[1]. الوافي، ج1، ص 11.

[2]. بحار الأنوار، ج2، ص 183.

[3]. بحار الأنوار، ج2، ص 193.

[4]. التوحيد (للصدوق)، ص 363.

[5]. الكافي، ج1، ص 401.

[6]. بحار الأنوار، ج46، ص 240.

[7]. سورة البقرة، الآية 213.

[8]. سورة الجاثية، الآية 17.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center