Home مقالات

الشرط الأول للانتصار على إسرائيل.. لماذا يجب أن نعيد النظر في خطابنا السياسي؟

الشرط الأول للانتصار على إسرائيل
لماذا يجب أن نعيد النظر في خطابنا السياسي؟

السيد عباس نورالدين

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْض‏}.[1]
إنّ القوّة الهائلة المندفعة للحضارة الغربية هي أكبر عامل لتخريب الأرض وإفسادها. لا نحتاج هنا إلى شواهد كثيرة لإثبات هذا الأمر، فقد ملأ فسادهم البر والبحر والهواء، حتى وصل إلى الفضاء. هذه الحضارة التي قامت على الاندفاع المحموم نحو السيطرة والنهب وتكديس الثروات والتوسع وأكل العالم، تؤدي حتمًا إلى تخريب الأرض وتهديم كل ما يرتبط بالحياة الإنسانية الطيبة.
لقد اقتضت حكمة الله البالغة إيقاف هذا الاندفاع المحموم لأي قوة مفسدة مهما كانت، ومنها هذه المسماة بالحضارة الغربية أو الحضارة المسيحية اليهودية بحسب تعبير صامويل هانتنغتون؛ وهذا ما يحتاج إلى قوة أخرى تدفعها بحسب قانون السنن الإلهية الاجتماعية. فحين ننظر إلى العالم اليوم، نجد أنّ جميع قواه إمّا تابعة أو مستسلمة وخاضعة، وإذا كانت رافضة فهي ضعيفة ولا يبدو أنّها تقدم البديل الحضاري. لأجل ذلك، كان لا بدّ من إيقاظ القوّة البديلة التي تمتلك القابلية والاستعداد الذاتي لأداء هذا الدور.
وهنا لن نجد سوى في الإسلام مثل هذا العامل الذي يؤجج المقاومة والمواجهة ويحقق على المدى البعيد البديل الحضاري اللازم؛ لذا بدأت المواجهة بين المسلمين والغرب في العصر الحديث وكانت قضية فلسطين أكبر معلم لهذه المواجهة.
تمثّل فلسطين أهم ميدان لهذه المواجهة الحضارية، لأنّ الغرب يلقي كل ثقله فيها باعتبار إنّها نقطة هزيمة المسلمين وإخضاعهم وإذلالهم وإشعارهم بالتخلف الحضاري؛ فما الذي يمكن أن يُقال عن العزة والكرامة، وقبلتهم الأولى محتلة ويدوس في أرجائها الأنجاس؟!
والغرب، باندفاعه المحموم وإفساده المهول، يختبئ وراء قناع القيم الحضارية التي يُراد أن تبرزه كمتفوق وقائد ومرشد؛ لذلك فهو يستغل هذه الواجهة لأجل تمتين عناصر تماسكه وتلاحمه. إلا إنّ قضية فلسطين تأتي لتكشف عن زيفه وتزيل القناع عن وجهه البشع. فلا شيء يمكن أن يفضح وحشية الغرب وتخلّفه ومخالفته لكل القيم الإنسانية مثلما ما جرى ويجري في فلسطين بسبب سياسات الغرب ودعمه المطلق لحفنة من اليهود ومن معهم من الغربيين.
 الغرب ممعن في دعم الكيان الصهيوني إلى أقصى حد، ويعتبر ذلك واجبًا حضاريًّا وهدفًا استراتيجيًّا؛ بمعنى أنّ الغرب يرى بقاءه في بقاء هذا الكيان، ويعتقد ساسته أنّ سقوط تل أبيب هو سقوط لباريس ولندن وواشنطن. كل ذلك بسبب ما ترسّخ في ذاكرته ووعيه وقامت عليه هويته من عداء للإسلام.
ولكن ممّا يؤسف له أنّ المسلمين لحد الآن لم يصلوا إلى المستوى المطلوب من الوعي تجاه هذه القضية. نلاحظ ذلك في خطابات قادتهم ومسؤوليهم حين يتعاملون مع الكيان الصهيوني ككيانٍ منفصل عن الغرب، وأحيانًا يلجأ بعضهم إلى الغرب من أجل حلّ النزاع أو البت في هذا الصراع؛ علمًا أنّ الغرب لم يتخلَّ يومًا عن دعمه المطلق لهذا الكيان. والكل يعرف، من خلال جميع أشكال الدعم التكنولوجي والإعلامي والمالي والبشري والعسكري والأمني والثقافي، أنّه لولا هذا الدعم لما بقي لهذا الكيان من وجود.
المؤسف هو أنّ الذين يتصدون لهذا الصراع ويعبرون عن خطابه لم يفلحوا بعد في تثبيت طبيعة هذا الصراع في الذهنية المسلمة؛ فتجدهم يتحدثون عن الكيان الصهيوني وكأنّه كيان مستقل، وكأن اسرائيل دولة حقيقية تتمتع بالاستقلالية في قوتها ومشروعها وأهدافها وحركتها وحروبها. مع العلم أنّه يمكن لأي متأمل أن يدرك مباشرةً بأنّ هذا الكيان ليس سوى قوّة تابعة وعميلة وتشكل أحد فصائل وجيوش الغرب الجاثمة على صدر الأمة. 
إنّ حضور الغرب في هذا الكيان كبير إلى الدرجة التي لا يمكن للإنسان أن يغفل عنها، لكن الكثير الكثير من مظاهر هذا الحضور لا يتم عكسه في الخطاب السياسي والإعلامي. ومن المؤسف أن نجد المسلمين ـ وبالأخص معظم قادتهم ومسؤوليهم ـ يخاطبون هذا الكيان وكأنّه كيان مستقل عن الغرب.
إنّ ما نحتاج إليه في خطابنا هو أن نتحدث عن إسرائيل كقوّة عميلة للغرب، لا لأمريكا فحسب، ولا لبريطانيا أو فرنسا فقط، بل للغرب كلّه فإذا ذكرنا إسرائيل قلنا التابعة للغرب، وإذا قمنا بتغطية أعمال حكومتها أظهرنا أنّها لا تتّخذ القرارات بشكل مستقل.
ما زلت أذكر إذاعة البي بي سي، التابعة للحكومة البريطانية، كيف كانت، ومن لحظة انطلاقة المقاومة الإسلامية، تعقّب كل خبر ومهما كان بسيطًا حول المقاومة، بكون المقاومة تابعة لإيران، كل ذلك من أجل إسقاط قداسة المقاومة وكونها مقاومة شعب حر. وفي مقابل أكاذيبهم، لا نمتلك الذكاء الكافي للتعامل مع هذه القضية بهذا المنطق النابع من الحق والحقيقة. فمم نخاف والله معنا؟ وهل أنّنا إذا أظهرنا للمسلمين شدّة عداء الغرب تهدّدت مصالحهم المرتبطة به؟! هذا الغرب الذي التزم التزامًا مبدئيًّا لا رجعة فيه بدعم هذا الكيان وإمداده بكل أسباب البقاء والقوّة اللازمة للبطش بالمسلمين وكسر شوكتهم والتفريق بينهم؛ وهل هناك ما هو أضر على المسلمين من ذلك؟ وهل يمكن أن يكون هناك مصلحة حقيقية مع انكسار المسلمين؟

يجب على قادة المسلمين الالتفات إلى هذا الأمر المصيري حتى يعملوا على توعية المسلمين بطبيعة هذا الصراع باعتباره مواجهة حضارية من الأساس وأنّها إرادة ربانية ينصر الله فيها من يفقه ويعي؛
إنّها مواجهة بين ما يمثّله الغرب في طبيعته العنصرية الوحشية الاستبدادية، وما يمثّله الإسلام من التحرر والإنسانية والشرف والعزّة. وكلما استطعنا أن نُظهر هذه الحقيقة، واستطعنا أن نجعل هذا الصراع صراعًا حضاريًّا، فإنّنا سنقترب من الحسم، لأنّ الله تعالى بمشيئته الأوّلية أراد أن يكون هذا الكيان وسيلة إسقاط الحضارة الغربية البغيضة.
إنّ إسرائيل هي عصارة تلك الحضارة وأكبر مظهر للغرب في تعامله مع الإنسانية. وهذا ما نلاحظه في الطبقة الحاكمة في مختلف الدول الغربية، سواء كانت اشتراكية أو ديمقراطية أو يمينية أو يسارية، فإنّهم جميعًا ملتزمون بتلك القيم التي قامت عليها حضارتهم وتجلّت بالسلب والنهب والتوسع والاستعمار والعنصرية والقضاء على الآخر والتطهير العرقي والاستكبار والاستعلاء.
إنّنا نلتمس النصر من الله، لكنّ النصر الإلهي يأتي متوافقًا مع المشيئة. وقد شاء الله تعالى أن يكون هذا الصراع وسيلة لإسقاط الغرب. فلننسجم مع هذه المشيئة ولنرتبط بعوامل النصر والمدد الإلهي.

 

[1]. سورة البقرة، الآية 251.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center