Home مقالات

لماذا تنحسر المؤسّسات الإسلامية التعليمية؟

 لماذا تنحسر المؤسّسات الإسلامية التعليمية؟

السيد عباس نورالدين

نسمع عن مؤسّسات تعليميّة إسلامية تصل إلى مرحلة تضطر معها  للتخلّص من معلمين ومعلمات، امتلك بعضهم خبرات سنين متمادية، لا يمكن تحصيلها بسهولة في أي معهد إعدادي.
ومن جانبٍ آخر، لا أحد ينكر أنّ مجتمعنا مازال يعاني من نقصٍ حاد فيالخبرات التعليمية والعلم وتأمين التعليم المناسب. إنّ مشكلة التعليم سواء في مجال المهارات أو المعارف هي مشكلة متفاقمة، لأنّ معظم المدارس الحالية لا تؤمّن الحد الأدنى اللازم من التعليم المطلوب. وهذا ما نلحظه بشكلٍ واضح على صعيد خرّيجي المدارس في اللغات والعلوم التطبيقية ومهارات التحليل والوعي التاريخي والاجتماعي. كما أنّ حاجة المجتمع للتعليم لا تنحصر بهذه السنوات، ففي كل عام ينتسب إلى المدارس عددٌ كبير من الأطفال. ولهذا يمكن القول بأنّ هذا السوق في حالة تصاعد مستمر على مستوى الطلب، وهو أبعد ما يكون عن الإشباع في العرض، خصوصًا على الصعيد الكيفي والنوعي. أضف إلى ذلك الحاجة المتزايدة للمدرسة الإسلامية برؤيتها التربوية باعتبار تزايد الإقبال على الدين.
لذلك يمكن لأي إنسان يراقب هذا المشهد من فوق أن يستنتج بسهولة أنّ هناك خللًا ما في أداء هذه المؤسسات الدينية على الصعيد التعليمي وعلى صعيد تأمين حاجات السوق المتزايدة. فمن جانب، هناك مؤسسات يُفترض أنّها قامت على أساس تأمين الاحتياجات التعليمية لهذا المجتمع وملء الفراغ التربوي الديني، وعلى أن تكون رافدًا أساسيًّا في مجال إعداد الأجيال وفق الرؤية الإسلامية؛ ومن جانبٍ آخر هناك هذا المجتمع الذي مازال يئن تحت وطأة الجهل والنقص الفادح في مجال التعليم العصري المتناسب مع تحديات الحياة الجديدة التي فاقت كل التوقعات والتصورات.
الذي ينظر إلى هذا المشهد من بعيد لا يمكن إلا أن يستنتج شيئًا واحدًا وهو أنّ المؤسسات الإسلامية في انحسارها، الذي تعبر عنه بإغلاق مدارس أو التخلص من معلمين، قد عجزت عن القيام بدورها الذي أُنشئت من أجله؛ فلو أنّ هذه المؤسسات أدّت دورها كما ينبغي، لكان من المفترض أن تتّسع وتتطوّر ويزداد حجمها وتأثيرها وانتشارها؛ وبحسب تعبير إدارة الأعمال لكان ينبغي أن تزداد حصتها في سوق التعليم والتربية يومًا بعد يوم، لا العكس.
 لأجل ذلك يمكن القول: يبدو أنّ هذه المؤسسات في غمرة انشغالاتها قد غفلت عن مهمتها الأساسية التي تقتضي بأن تصبح الفاعل الأول في مجال التعليم في المجتمع؛ وهذا ما يعود بالدرجة الأولى إلى أنّها لم تبنِ برامجها وخططها ومناهجها بما يتوافق مع هذه المهمة التوسعية الانتشارية النموذجية. والذين يظنون أنّ المشكلة هنا تكمن في الأوضاع الاقتصادية، التي أصابت المجتمع والناس وجعلتهم يرزحون تحت أعباء كثيرة ولا يطيقون تأمين مستلزمات التعليم، الذي تقدمه هذه المؤسسات الإسلامية؛ هم واهمون ولا يعرفون عن الإدارة شيئًا. لأنّ الإدارة في جوهرها ترتبط بالتوسع والتقدم والنجاح في ظلّ الظروف الصعبة؛ فلو بنينا إدارتنا للمؤسسات التعليمية منذ البداية على تأمين التعليم للطبقات المحرومة بأفضل كيفية، لما وصلنا إلى هذا الطريق المسدود الذي نضطر معه للتراجع وتخفيض العديد وتقليص الكثير من الأنشطة التربوية المفيدة.
إنّ سوق التعليم في ازدياد وتضخم مستمر؛ فالناس لا يزالون يرسلون أبناءهم إلى المدارس، وسيبقى هذا الأمر وسوف يزداد عدد الطلاب يومًا بعد يوم، لأنّ عدد السكان يزداد وعلى التعليم أن يواكب هذه الزيادة.

من الأخطاء الكبرى في الإدارة أن نتقلص وننكمش في الوقت الذي يزداد حجم السوق والطلب من جميع الجهات. فالحاجة إلى المدرسة الإسلامية برؤيتها التربوية المميزة تزداد ولا تقل، لأنّ الناس يزدادون تدينًا. إنّ سوق التعليم، رغم كل الظروف، ستبقى سوقًا ناشطة ومطالبة، ولذلك يُفترض أن يكون للمعلمين ذوي الخبرة دور متزايد لا العكس وأن يكونوا محل طلب وتزداد قيمتهم.
فالمشكلة تكمن في عقلية إدارة مثل هذه المؤسسات التي لم تتمكن من إدراك متطلبات السوق والأوضاع المتغيرة والصعبة، بحيث تقوم  بإعداد برامج ومناهج متناسبة مع هذه الأوضاع؛ تتمثل أوّلًا في تحرير المعلم والتعليم من القيود الإدارية التي تفرض أداءً محددًا يتطلب إنفاقات كبيرة.
فلنفرض أنّنا شركة برمجة وخدمات رقمية وقد ازدهرنا في زمن الوفرة، لكنّنا الآن ولسببٍ ما أصبحنا نعمل في سوق تنافسية كبيرة. فهل نتخلّص من العاملين الخبرويين أم نعمل على تغيير طريقة إدارة الشركة؟ وبدل أن نخسر أهم أرصدتنا، فلماذا لا نتخلص من أعباء إجارات المكاتب وخدماتها من الكهرباء والصيانة وما لا يُحصى من الأمور التي كان يُفترض أن تكون في خدمة العاملين، ونطلب منهم أن يعملوا من بيوتهم، كما هو حال آلاف الشركات اليوم؟
 إنّ التعليم ينبغي أن يمتحور حول المعلّم لا التكاليف التعليمية، ولو فعلنا ذلك لوجدنا أنّ دور المعلم يزداد ويتضاعف كلما ازداد خبرة، لا العكس.إنّ المشكلة ليست في الاقتصاد، وليست في قلة الموارد، بل في الذهنية الإدارية المتخلّفة التي لا تستطيع أن تواكب التغيّرات الموجودة في المجتمع لتؤسس لآليات إدارية متطورة ومتلائمة مع هذه الظروف.
إنّ دور المؤسسة يكمن بالدرجة الأولى في إيجاد الآليات المرنة والمتطورة والفعّالة من أجل الاستفادة من الخبرات والطاقات والعمل على سرايتها في المجتمع. فالمؤسّسة الإدارية الناجحة هي التي تكون صلة وصل بين الطاقات وبين السوق والاحتياجات، فتزداد قوة وفعالية مع ازدياد الحاجة.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center