Home مقالات

وسيلتان أساسيتان لتغيير المجتمع

وسيلتان أساسيتان لتغيير المجتمع

السيد عباس نورالدين

يتغيّر المجتمع فيسلك طريق التقدّم بتغيّر نفوس أبنائه وميلهم الشديد نحو الازدهار والتقدم؛ وتتغير النفوس حين يحدث التحوّل الباطني من خلال طلب القيم السامية والتقدمية والتوجّه إليها.
التوجه العام نحو قيمةٍ ما يتحقق بواسطة تبني هذه القيمة وتعظيمها في النفوس، ويتجلى ذلك في العمل انطلاقًا منها وبدافعها.. فالقيم هي المحركات الأساسية للمجتمعات البشرية، سواء كانت سلبية أو إيجابية، قليلة أو كثيرة. وهنا يأتي السؤال حول الوسائل التي يمكن اعتمادها من أجل إحداث هذا التغيير القيمي. وقد كان الجواب دومًا منحصرًا في الإقناع.
حين يقتنع الناس بأهمية هذه القيمة ودورها في تغيير حياتهم وفي تحسين أوضاعهم وظروفهم، فسوف يتبنونها بعد أن يعظم شأنها في نفوسهم وهذا ما يدفعهم للعمل على أساسها.. وهذه قاعدة صلبة في الواقع الاجتماعي قد لا تنطبق على الواقع الفردي. فقد تجد الناس كأفراد يعلمون ويقتنعون دون أن يعملوا وفق قناعتهم بالضرورة؛ هذا بخلاف القناعة العامة التي لا بد أن تظهر في العمل؛ وذلك لأنّ للمجتمع عقلًا أقوى نفوذًا وتأثيرًا من العقل الفردي.
هناك قوة خفية في العقل الجمعي هي التي تحوّل القناعة إلى فعل وممارسة. ولأجل ذلك، فإنّ من يتقن أسلوب الإقناع الجمعي سيمتلك القدرة العجيبة على تغييرهوإحدى الوسائل الكبرى لذلك تتجلى في قيادة المجتمع؛ هذه القيادة التي إذا تمتعت بمصداقية عالية وسط الناس تصبح عظيمة التأثير في النفوس. وإنّما تتحقق المصداقية نتيجة مجموعة من العوامل المرتبطة بالوقائع من جهة، والمواقف الحكيمة والمناسبة لها من جهة ثانية. فالقيادة المحبوبة هي أفضل ذخر للمجتمع وبواسطتها ووسيلتها يمكن تحقيق الكثير من الإقناع الذي يكون مقدمة مهمة للتغيير.
حين يفتقد المجتمع هذا النوع من الوسائل المرتبطة بترسيخ هذه القيمة أو إزالة تلك، فعليه أن يلجأ إلى وسائل أخرى. وقد يكون هذا الفقدان ناشئًا من ضعف القيادة نفسها فيما يتعلق بالقيم المنشودة. فهذا القائد مثلًا قد لمع وسطع في زمن المقاومة والمواجهة ضد المحتلين والغزاة، نظرًا لمواقفه الجريئة وتضحياته، وكذلك قيام العدوّ بتسليط الضوء عليه؛ لكنّه قد لا يكون قادرًا على تجسيد بعض القيم الأخرى في نظر الناس وفي وجدانهم، سواء لعجز فيه هو، أو لصعوبة في الظروف التي يعيشها والتي يحتاجها لتحقيق المصداقية في الأعين. وهنا عليه أن يستعين بأكثر الوسائل نفوذًا وتأثيرًا في عصرنا الحاضر، ألا وهما: التعليم العام (المدرسة)، والإعلام (وعلى رأسه فنون الدراما).
ففي المدرسة تجري أكبر عملية تعليم وتلقين وتفاعل بين الإنسان والموضوعات المختلفة ـ أو هكذا يُفترض أن يجري الأمر. وإن لم يجرِ بالمنوال الصحيح انقلب إلى الضد. إلّا أنّ حجم نفوذ المدرسة وتأثيرها يبقى الأكبر في كلا الحالين.
إنّ قوّة تأثير التعليم العام يرجع أيضًا إلى حساسية المرحلة العمرية التي يجري فيها. وهي مرحلة الانتقاش والبناء وتشكّل الشخصية.ولأجل ذلك بإمكان المدرسة أو مناهجها أن تؤدي دورًا بالغ التأثير في عملية التغيير العام على مستوى القيم. وكل ما يرجوه القادة على هذا الصعيد فإنّه قابل للتحقق عبر هذه الوسيلة الكبرى.

ولا يخفى الدور الكبير للإعلام العام بجميع فنونه وعلى رأسها السينما ـ وإن بثّتها الشاشات الصغيرة المحمولة باليد. ففي ظل القصة المصوّرة يتم إيصال كل الأفكار إلى أعماق النفس البشرية، بعد اختراق جميع أبوابها ومنافذها بواسطة التأثير الشعوري الذي يجري في هذا الفن.
ولا يوجد في العالم كله وسائل أعمق وأبلغ وأقوى من هاتين الوسيلتين اللتين يمكن أن تكونا في خدمة مشروع القيادة الواعية إلى أبعد الحدود.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center