Home مقالات

ما الذي يمنع الناس من الإقبال على الدين؟ الدين وتحديات العصر

ما الذي يمنع الناس من الإقبال على الدين؟
الدين وتحديات العصر

السيد عباس نورالدين

من القضايا الكبرى الأساسية هي علاقة الدين بواقع الحياة البشرية. حين يجد الناس أنّ هذا الدين قريب من واقعهم وقضاياهم ومشاكلهم ومعاناتهم واحتياجاتهم وتطلّعاتهم وآمالهم، فإنّهم يقبلون عليه ويشعرون بأنّه يمثّل إنسانيتهم وما يبتغونه وما يصبون إليه. هذا هو التحدّي الأكبر الذي يواجه أي منظومة فكرية أو دين أو مذهب في الحياة وهو: كيف يكون قريبًا من واقع الناس؟
في الوقت نفسه، تتجلّى قدرة الدين في الانتقال بالناس من معاناتهم ومشاكلهم وتطلّعاتهم المحدودة، ليصنع منهم أناسًا يتطلعون إلى الآفاق الكبرى ويرتقي باحتياجاتهم وتوجّهاتهم. وأذكر هاهنا حادثة رائعة جرت في صدر الإسلام حين كان رسول الله (ص) يمشي مع علي (ع) وكان يتطلع كل حين إلى السماء، فتوجّه أمير المؤمنين (ع) إليه سائلًا: ما الذي يجري ها هنا؟ فقال رسول الله (ص): "كُنَّا مَرَّةً رُعَاةَ الْإِبِلِ فَصِرْنَا الْيَوْمَ رُعَاةَ الشَّمْسِ". هذه الواقعة البسيطة تكشف عن أهم ما في الدين وهو أنّه يقوم بالارتقاء بالبشر، لكنّه في الوقت نفسه ينزل إلى واقعهم ويتلمّس حاجاتهم ومشاكلهم، وبهذه الطريقة يستطيع أن يخاطبهم ويدعوهم للخروج من هذه الظلمات وهذه المضائق؛ هذه هي قوّة الدين الأساسية.
ولكن في الوقت الذي كان الدين في أصله وبدايته ومن خلال أئمته وقادته المعصومين هو دين الإسلام، إلا إنّ تراثه، الذي شكّله الناس ولا سيما العلماء منهم، على مدى العصور اللاحقة، لم يكن كذلك؛ لقد حصل انحرافٌ كبير عن هذه المنهجية الدينية منذ اللحظات الأولى التي أضحت حكومة الدين وحكومة المجتمع المسلم بيد من لا يعرف عن هذا الدين شيئًا. وقد أشار أمير المؤمنين (ع) إلى هذه المصيبة العظمى قائلًا: "إِنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيرًا فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ، يُعْمَلُ‏ فِيهِ‏ بِالْهَوَى‏ وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا". وحين أصبح هذا الدين بيد الأشرار حصل الانحراف، لأنّ الذين بدأوا بإنتاج التراث الديني، وبتعبير أدق التراث الذي ينبع من فهمهم للدين، قد خضعوا لمؤثرات بعيدة عن منهج الدين يمكن اختصارها بالمؤثرات التي صنعتها السلطات الحاكمة، والتي وجدت في تسخيرها للدين وتوجيهها له بما يتناسب مع مصالحها كسب لقوّة عظيمة لا مثيل لها.
 لقد أدرك الناس، ومنذ الأيام الأولى لانتصار الإسلام، ما في الإسلام من غنًى وثراء وقوّة، فأقبلوا عليه باندفاع لا مثيل له؛ إلا إنّ عملية توجيه الدين والتعاليم الدينية سرعان ما سقطت بأيدي هذه السلطات التي استغلته أبشع استغلال. وهكذا بدأ التفكير والإنتاج الفكري، لدى من اعتُبروا من العلماء ومن قرّاء القرآن، يتشكّل في رحم هذه التجربة الحكومية السلطوية الجائرة التي كانت تستغل الدين لمآربها. وقد ظهر هذا الانحراف في هذا التراث الكبير على مستوى علم الكلام والتاريخ والفقه والأدبيات وحتى الدراسات اللغوية والنحوية، حيث لم يسلم من التوجيهات المباشرة وغير المباشرة والقيادة السلبية لتلك السلطات التي وجدت مصالحها في تسخير الدين، لا في القضاء عليه وإزالته من الوجود. وهكذا أضحى التراث الديني، أي ما يفهمه الناس وما يقرؤونه عن الدين، يتشكّل في إطار بعيد بنحوٍ ما عن معاناتهم ومشاكلهم وتطلّعاتهم.
وإذا سُئلنا: ما الذي حفظ هذا الدين إذًا طيلة هذه القرون؟
نقول إنّ ما حفظ هذا الدين لم يكن الدين نفسه، وإنّما تلك السلطات التي كانت قد ورثت مجد الإسلام من الصدر الأول واستغلّته لتصنع أمجادًا للمسلمين استمرت على مدى القرون. وأي أمة تصنع لنفسها مجدًا بواسطة الفتوحات والغنائم والانتشار والتوسّع والإمبراطورية، ستفتخر بما لديها حتى لو كان سخيفًا سطحيًّا.
إذًا لم يكن هذا التراث الديني، أو ما يمكن أن نطلق عليه اجتهادات وآراء العلماء والباحثين في تلك العصور، يرتبط بواقع الحياة وتحدّياتها ومشاكل الناس ومعاناتهم؛ وبالتالي لم يكن تراثًا يحمل روح الإسلام في قلبه ودعوته وفي تعامله مع الحياة. لذلك فإنّ العواصف التي اجتاحت المسلمين على  مدى تلك العصور، كانت قاتلة أيضًا.
حين دخل المغول إلى بلاد المسلمين استطاعوا أن يسيطروا عليها بسرعة فائقة، وتكرّر هذا الأمر على يد الصليبيين فيما بعد. لقد تعرّض المسلمون لعملية إذلال كبيرة، إلا إنّ الفاتحين والغزاة والتحدّيات التي عصفت بهم لم تكن تمسّ جوهر تراثهم بالكامل؛ بل كان أكثر هذه التحديات ذات طابع سياسي أو جغرافي، أي كانت فتوحات مقابل فتوحات. كما أنّه لم يكن لدى الغازي الجديد القدرة على مواجهة ذلك التراث، رغم كل مشاكله وعلله، فصمد هذا التراث وظنّ أصحابه أنّه تراث مجيد وتراث الإسلام، رغم ما فيه من مشاكل، لأنّه كان أعلى شأنًا وأكثر تفوّقًا من تراث الغزاة والمهاجمين الذين استباحوا ممتلكات وأراضي المسلمين. فلم يكن هؤلاء يمتلكون تراثًا يرتبط بالحياة بأي نحوٍ من الأنحاء. فالمغول لم يكونوا معروفين بالعلم والفكر ولم يجتاحوا المسلمين بأي نوع من الغزوات الثقافية، بل سرعان ما انتقل الكثير منهم إلى الإسلام.
وكذلك الأمر بالنسبة للصليبيين الذين كانوا منقادين بلاهوت لا علاقة له بحياتهم لا من قريب ولا من بعيد. فأكثر المسيحيين الغزاة في ذلك الوقت لم يكونوا يعرفون ما في الإنجيل، لأنّه كان يُقرأ باللغة اللاتينية وكان هناك منعٌ كنسي من ترجمته؛ كما أنّهم لم يكونوا يعرفون القراءة والكتابة، وبالنسبة لهم كانوا يُقادون بقوى مقدسة وقضايا سطحية؛ لذلك انكسروا ولم يتركوا أي أثر حقيقي في واقع المسلمين الديني والثقافي، بل حين عادواإلى بلادهم منكسرين، عادوا متأثرين بالتراث الإسلامي الذي هو تراث محدود كما لاحظنا.
من هنا نقول إنّ هذا التراث الديني، الذي كان نتاج قراءة العلماء المتأثرين بقيادة السلطة الجائرة للمجتمع المسلم كما ذكرنا؛ لم يُمتحن امتحانًا حقيقيًّا إلا حين رجع هؤلاء الغزاة مرة أخرى متسلّحين بفكر وثقافة يرتبط قسمٌ كبير منها بواقع الحياة، وإن كان ينطلق من رؤى علمانية أو نزعات إنسانية (هيومانيزم) لا ارتباط لها بالإسلام. وهكذا تعرّض التراث الإسلامي لأوّل مرة إلى أكبر صدمة حضارية منذ بداية تشكّله مع مجيء هذا الاستعمار الحديث إلى بلاد المسلمين غازيًا فاتحًا. فتساقطت الممالك الإسلامية وحتى الحوزات الدينية أمام هذا الغزو الكبير، وتمّ استبدال السلطة الدينية، وما تحمله من تأثيرات كبيرة على الناس، بسلطات علمانية اجتاحت كل هذه البلاد وغيّرت واقعها وحوّلتها إلى بلاد علمانية لا تمت إلى الدين بصلة. أجل تم الحفاظ على بعض الشكليات والظواهر الدينية لكي يبقى هناك مجال لاستغلال الدين بين المسلمين، باعتبار أنّه كان مازال مقدّسًا بينهم.
تعرّض المسلمون فيما بعد لاجتياحٍ من نوع آخر، بالإضافة إلى العسكر والفكر والثقافة الجديدة، هوالتكنولوجيا، التي فرضت تحولات نوعية في حياة الناس وعلى مستوى اهتماماتهم ومشاغلهم وهمومهم. لقد أضحى إنسان اليوم مشغولًا بعشرات القضايا الجديدة التي لم تكن موجودة على مدى الألف ومئتي أو ثلاثمئة سنة الماضية. وبطبيعة الحال لم يكن التراث الديني بأي نسخة من نُسخه مهيّئًا للتعامل مع هذه التحولات.
فعلى سبيل المثال، جاء التلفاز وجلب معه قضايا كثيرة، كالغناء والرقص والمشاعر والقضايا؛ وكان الإنتاج الغربي، وما زال حتى يومنا هذا، مهيمنًا بنسبة كبيرة على هذه التكنولوجيا وهذه الوسائل. في المقابل، لم يكن التراث الديني مُعدًّا للتعامل مع هذه التكنولوجيا وإفرازاتها ونتاجاتها، لذلك ما قام به في أحسن الأحوال هو التحريم ووضع سدود شرعية وغير شرعية، سرعان ما انهارت أمام هذا المد وأخفقت في مواجهته.
لقد حدث هذا الأمر مرة أخرى مع مجيء الإنترنت، التي جلبت معها أضعاف مضاعفة مما جلبته تكنولوجيا التلفزيون والسينما والراديو؛ ومرّة أخرى لم يكن هذا التراث مهيّئًا لمواجهة هذه الوسيلة والتعامل مع إفرازاتها ومعطاياتها. كل ذلك إنّما حصل بسبب أنّ هذا التراث حين كان يتشكّل في رحم تلك السلطة ويتفاعل معها لم يكن مهتمًّا بقضايا الحياة والوجود والمعاناة والمشاكل، إنّما كان منقادًا لتوجيهات تلك السلطات بنحو مباشر أو غير مباشر. فالسلطات هي التي كانت توجّه علم الكلام وتحدد أي من القضايا ينبغي أن يُختلف عليه أو يُبحث فيه؛ وتفرض على المؤرخين أن يكتبوا التاريخ وفق مشيئتها وبحسب ما تقتضيه مصالح الملوك والحكام، حتى إنّها كانت تفرض نوع البحث اللغوي بطريقة غير مباشرة، من أجل أن يصب في الاتجاه الموافق لها؛ فالأشعار الكثيرة التي أُنشدت أو أُلّفت في تلك الآونة كانت تدور حول السلطان ومدحه. ناهيك عن الفقه الذي ابتعد بدرجة كبيرة عن قضايا أساسية كالسلطة والحياة الاجتماعية والآخر.
فإذا لم يكن هذا التراث منذ البداية مُعدًّا للتعاطي مع قضايا الحياة، فكيف له أن يتعامل مع كل هذه التحوّلات والتطورات النوعية التي طرأت على الحياة، أولًا في عصر التكنولوجيا الأول مع دخول الاستعمار، وثانيًا في هذا العصر الثاني عصر المعلومات والإنترنت وغيرها من الشبكة العالمية وإفرازاتها الكثيرة جدًّا التي لا يمكن إحصاؤها؟!
لم يكن هذا التراث مستعدًّا لمواكبة الهموم والمشاكل الكثيرة، التي أفرزتها هذه التحديات وهذه التطورات، وفق روح الإسلام، وذلك بنزوله، كما ذكرنا، إلى واقع الناس ومخاطبته والتعامل معه وفهمه جيّدًا، ثم الارتقاء به إلى تطلعات الدين الكبرى التي هي أعظم بكثير مما يتخيّله الناس.
نحن اليوم أمام هذا التحدي الأكبر وهو: كيف يمكن أن نعيد بناء التراث الديني وفق روح الدين الأساسية، تلك الروح التي قام عليها هذا الدين وأسّسه أئمته الواقعيون، لا الحكّام الذين اغتصبوا سلطة المسلمين والإسلام؟ أولًا بأن نسعى نحن كقرّاء لهذا الدين وكمؤمنين بأصوله ومصادره الأساسية، إلى النزول إلى واقع الحياة وفهمها فهمًا جيدًا والالتفات إلى أنّ ما لدينا من إمكانات معرفية، خاصة في مجال الفقه، لا يكفي لوحده لإدارة هذه الحياة وفهمها والتعامل معها.
إنّ الفقه الإسلامي، مع عظمته وغناه وثرائه وتميّزه، ليس قادرًا على التعامل مع قضايا كثيرة استجدت على المستوى الحياتي، سواء في مجال التعليم أو الفن أو الرحلات أو الحضارات أو الطعام أو البيئة أو غيرها من المجالات الأخرى الكثيرة. إنّ التشريعات الإسلامية أولًا محدودة، وثانيًا لا تصلح لوحدها للتعامل مع هذه المسائل المستحدثة، لأنّ الناس باتوا اليوم ينظرون إلى هذه القضايا انطلاقًا من واقعهم الفطري، لا من منظار الحلال والحرام؛ فهم ينظرون مثلًا إلى قضية العلاقات الجنسية والشذوذ الجنسي، التي نسميها نحن علاقات اللواط والسحاق، من منظارٍ قيميّ، هو منظار الحرية الإنسانية والتعاطف مع البشر وفهم معاناة هذه الشريحة التي تعاني في البحث عن جنسويتها وأمثال ذلك. لذلك يتفاجأون ويُصدمون بقوّة حين ينظرون إلى أحكام الدين الشديدة في التعامل مع قضايا يعتبرونها فطرية قيمية إنسانية. هذه الصدمة هي التي توسّع الهوّة بينهم وبين الدين بدل أن تقرّبهم إليه.
إنّ الخطاب الديني الحالي عاجز عن التعامل مع هذه القضايا الكثيرة المستحدثة، لأنّه يريد استخدام وسيلة وحيدة للتعامل معها، وهي وسيلة لم تواكب الحياة منذ بداية تشكّلها بنسبة كبيرة؛ كما أنّها لم تواكب التحوّلات الكبرى والهائلة التي لا يمكن قياسها مع ما حدث في الألف سنة الماضية، بالإضافة إلى فرضها الكثير من المسائل على الفقه. فكل ذلك يجعل أصحاب الخطاب الديني عاجزين عن مواكبة هذه التحديات. فالأدوات والآليات الموجودة لديهم ضعيفة ومحدودة، والتحديات والمشاغل والمشاكل والتحولات هائلة وأكثر من أن تُحصى، فما العمل؟
فالحل هو في مقاربة هذه التحديات مقاربة قيمية. إنّ قوة الدين الكبرى تكمن في القيم الكبرى التي يحملها. ومن خلال الاستناد إلى المنظومة القيمية في الدين، يمكن لأهله وللعلماء والمحققين فيه أن يتعاملوا مع هذه القضايا وأن ينزلوا إلى واقع الناس ليرتقوا بهم. يستطيع الدين مثلًا أن يتعامل مع ظاهرة الشذوذ الجنسي من خلال منظومته القيمية دون الحاجة إلى طرح الأحكام المرتبطة بمعاقبة اللواط أو السحاقية في البداية؛ ويمكنه الانتصار في هذه المعركة وفي هذا التحدي وغيره من التحديات كالاستنساخ والذكاء الاصطناعي والكثير من الحالات التي انفتح عليها الإنسان في واقعه بسبب التكنولوجيا؛ ذلك لأنّ هذا الدين يمتلك منظومة قيمية قادرة على قراءة هذا الواقع وفهمه والنزول إليه والارتقاء به، من دون أن يختلّ هذا النظام القيمي. فضلًا عن أنّ الرؤية الكونية الإسلامية المحفوظة في أصولها، والتي تحتاج إلى إعادة شرح وتفصيل وإنتاج، هي أيضًا قادرة على استيعاب هذا الواقع وفهمه وتفسيره تفسيرًا دقيقًا.
هذا ما يحتاج إليه أهل الإسلام أو المفكرون الذين تحرّروا بحمد الله في زماننا هذا من السلطات الجائرة، وإن لم يتحرروا بعد من آثارها التي نفذت عميقًا في التراث الذي يدرسونه في الحوزات الدينية وغيرها، وهم غافلون عن أنّ ما يدرسونه قد تأثر بنسبة كبيرة بتلك القيادة الجائرة الجاهلة التي حكمت المسلمين طيلة مئات السنين.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center