Home مقالات

دور القاعدة الشعبية والأتباع في تحجيم القيادة

دور القاعدة الشعبية والأتباع في تحجيم القيادة

السيد عباس نورالدين

ستبقى أسباب تشكّل القيادات وعوامل تحققها في الواقع الاجتماعي لغزًا محيّرًا بالنسبة للكثيرين. لكن ممّا لا شك فيه أنّ لأداء القادة وخطابهم وحركتهم وأخلاقهم أكبر الأثر في صعودهم إلى مستوى القيادة الجماهيرية، مثلما أنّ لقدرتهم على التعبير عن أفضل مكوّنات ثقافة هذه الجماهير، وحسن استخدامها في الخطاب والبيان، الدور الأكبر في تحقق ذلك.
يرتقي الرجال إلى مستوى القيادات الشعبية حين يقدرون على التعبير عن هموم الناس وقضاياهم والمخاطر والتهديدات والفرص والآمال والتطلعات، وذلك باستخدام العناصر الأصلية التي تقوم عليها الثقافة التي يتبناها هؤلاء الناس. وحين يعجز أي رائد أو مصلح عن تغليب العناصر الإيجابية في ثقافة شعبه على عناصرها السلبية، فإنّه يغامر بخسارة التأييد الذي يحتاج إليه، فكيف إذا انطلق من موقع الناقد الذي لا يفتأ يدق على وتر السلبيات!
من أجل ذلك، فإنّ أحد أسرار نجاح القادة واستقرار زعامتهم يكمن في القدرة على تفعيل مكوّنات الثقافة الجماهيرية واستعمالها على طريق تحقيق الأهداف، التي يؤمنون بها ويريدون للأتباع إعانتهم عليها. فإذا كان القائد يسعى لإنهاض الناس من أجل مقاومة محتل أو مشروع استعماري، فلا بد أن يستعمل كل عنصر قيمي يرتبط بالمقاومة داخل الثقافة الشعبية (سواء كانت تلك الثقافة ناشئة من تفاعل المجتمع مع دين أومذهب أو مدرسة فكرية).
إنّ الاقتدار الثقافي للقائد هو أحد أهم أسرار قوته ونفوذه وتأثيره؛ إلا إنّ تفاعل الأتباع مع أطروحته ومشروعه ومضيّهم على طريقها وسيرهم بها يمكن أن يتفاوت بين شعب وآخر، وذلك أيضًا يرجع بنحو ما إلى قدرة هذا القائد على تفعيل أحد العناصر المحورية في الثقافة، وهو ما يرتبط بعلاقة الأمة بالإمام أو القائد.
لقد قام بعض القادة عبر التاريخ بإضفاء صبغة الألوهة على موقعهم وزعامتهم، من أجل أن يحصلوا على أعلى مستوى من الانقياد؛ كما فعل فرعون مصر حين استخف قومه وأطاعوه في ادّعاء الربوبية؛ فانجر الأمر إلى هلاكهم أجمعين. هذا، رغم أنّهم كانوا على مدى سنوات يشاهدون من عدوّهم كليم الله موسى عليه السلام عظيم آيات القدرة والنقمة، ولو فكّروا قليلًا لما لحقوا بقائدهم الفرعوني إلى جبال البحر ليغرقهم عن بكرة أبيهم ولا يبقي منهم مبشرًا.
فتموضع القيادات في هرم القدرة والنفوذ يأتي نتيجة لعملية تفعيل  مجموعة من العناصر المحددة داخل الثقافات المرتبطة بها. وحين استطاع الإمام الخميني أن يظهر شدة علاقة ولاية الفقيه بأحد أقدس عناصر ثقافة الشعب الإيراني وهو أصل الإمامة الإلهية، وتمكن من ربط موقع الفقيه بموقع الإمام، وظهر للناس معنى نيابة مرجع التقليد للمهدي المنتظر، لم يحتج هذا القائد بعدها لأي جهد آخر حتى ينطلق في تفعيل حركة الناس تحت جناح قيادته.
لقد كان لحضور قضية الإمامة في الذاكرة والوعي الشعبي ومستوى فهمها والارتباط العاطفي بها الأثر الأكبر على صعيد تحديد قوة ودرجة الاتّباع والانقياد والتفاعل مع المشروع الاستنهاضي الذي طرحه الإمام الخميني آنذاك.
فلا بد قبل أي شيء من تفجر سلسلة من التفاعلات الثقافية بين القائد والأمة؛ وبمقدار ما ترتبط قيادته بمقدسات الثقافة ومكوناتها الأكثر حضورًا بين الناس، ترتقي قيادته في مراتب النفوذ والقدرة.
أمّا العامل الثاني والذي قد لا يقل أهمية عن العامل الأول، وإن كان ينبع منه، فهو ما يرتبط بمستوى تفعيل الناس لقيادة قائدهم، من حيث الوعي والبصيرة والفهم والتطبيق والخطاب. فلو فرضنا قائدًا محليًا يقدر على أن يكون قائدًا عالميًّا، نظرًا لما يتمتع به من كفاءات وقدرات ومهارات، ومع ذلك، عجز أتباعه عن تظهيره كقائد عالمي؛ وأصرّوا، من حيث لا يشعرون، على تأطيره بقوالب لغتهم وأطر ثقافتهم الخاصة، فمن الصعب أن يصبح هذا الرجل قائدًا عالميًّا يتجاوز بقيادته ونفوذه حدود الجغرافيا والقومية.
فبالرغم من عظمة ولاية الفقيه وأهميتها داخل الثقافة الشيعية، بَيد أن ما تحمله من قيم يفوق حتمًا حاجات المجتمع الشيعي واهتماماته وقضاياه، ليلبي حاجات المجتمعات العالمية مع اختلاف ثقافاتها! وذلك لأنّ الثقافة التي تنطلق منها هذه الولاية هي في الواقع الأكثر سعة وشمولية وإحاطة من أي ثقافة أخرى عرفتها البشرية؛ هذا، بالإضافة إلى كونها ثقافة سجلت أعلى معدل من حيازة القيم الإنسانية العالمية.
حين يعجز أتباع ولاية الفقيه عن فهم هذه العناصر المشتركة الكامنة في ثقافتهم وثقافات الآخرين، فلن يقدروا على إنتاج خطاب عالمي يتيح لهم إظهار سعة وشمولية القيادة التي آمنوا بها.
أجل، إن قسمًا مهمًّا من الخطاب والأداء والمعالجة ترتبط بالقائد نفسه الذي يحمل عنوان ولاية الفقيه (والذي رغم وضوح معناه في اللغة إلا أنّه صعب على الفهم بالنسبة لمن هو خارج هذه الثقافة الخاصة). فتوجّه القائد إلى شعوب العالم واهتمامه بقضاياها وسعيه لمخاطبتها والتواصل معها (ليس فقط بالكلام، بل بتقديم التجربة)، كل هذا من شأنه أن يوفر الأرضية اللازمة للأتباع لكي يعملوا على الارتقاء بقيادتهم إلى مديات وآفاق تتجاوز الحدود القومية والمذهبية. لكن، ذلك لوحده لا يكفي بالطبع، فما هو مطلوب أيضًا العمل الحثيث على إعادة صياغة المبادئ التي قامت عليها هذه القيادة وإظهارها كقيادة قيمية قبل أي شيء؛ قيادة تهتم بالهموم الكبرى للبشرية مثل الحرية والعدالة والخلاص والأمن وإصلاح الأرض والازدهار؛ وهي أمور تشكل أصول اللغة العالمية الوحيدة التي يفهمها الجميع.

 

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center