Home مقالات

ضرورة رواج التعمق الفكري... السيد عباس نورالدين يطرح قضية التعمق الفكري مجدّدًا

ضرورة رواج التعمق الفكري
السيد عباس نورالدين يطرح قضية التعمق الفكري مجدّدًا

هل يوجد في حياتكم شيء كالتعمق الفكري؟
يُعدّ التعمّق الفكريّ ميزة أساسية وفارقًا نوعيًّا في الشخصية.
إنّ التعمّق الفكري ينشأ من فطرة الإنسان الباحثة عن الحقيقة. وأينما وجد هذا الإنسان الفطري مجالًا للمعرفة فإنّه يلج فيه. والتعمق الفكري يرتبط بظواهر الوجود التي لا حدّ لعجائبها ولا منتهى لأسرارها.
حين يكون الإنسان مهتمًّا بالفكر والتعمق بواسطة إعمال التفكر، فإنّه لا يتوقف عند ظواهر الأشياء ويرفض النظر إلى الأمور من السطح؛ وهذا دليل على أنّه إنسان فطري، إنسان يعيش إنسانيته، وهو ينسجم مع الخلقة الإلهية، ومع إرادة ربّه منه، وبالتالي فهو منسجم مع الله سبحانه وتعالى.
لأجل ذلك، ينبغي أن نتوقّف أولًا لمعرفة ما هو المقصود من التعمق الفكري؛ ومن ثمّ نتعرف إلى كيفية السير في هذا الاتجاه.
يرتبط التعمّق الفكري بالبحث عن أسرار وخبايا وخفايا أي ظاهرة أو قضية يمكن أن يواجهها الإنسان؛ ومن شأنه أن يفتح على الإنسان أبواب الكثير من القضايا المجهولة. فالمتعمق بفكره لا يرضى بأن تكون حياته سطحية وهامشية، خصوصًا حين يرى الوجود وهذا الكون بما فيه من حوادث وظواهر مليئًا بالقضايا المثيرة والعجائب المدهشة، فيتحفّز على التفكر فيما وراء الأشياء لمعرفة أسبابها وعللها.
إنّ التعمق الفكري يعني أن يركّز الإنسان تفكيره باتّجاه قضية ما ليتعرّف على أبعادها الخفية، وبذلك قد يُكتب له التوفيق في إدراك حقيقة الأسباب ومنها يتصل بالغايات.
من هنا يكون التعمّق الفكريّ وسيلة لتحديد العلل الأولى والأسباب الأولية؛  فإذا تفكر بظاهرة الفقر في المجتمعات البشرية، فإنّه لا يكتفي بما يُعرض أو يُقال حول البطالة وانتقال المصانع وضعف الدولة؛ وإذا تفكر في ظاهرة انتشار لهو الحديث من الغِناء أو الرقص فإنّه لا يرضى بأقل من أن يدرك العوامل التي تقف وراءها؛ وحين يسمع عن الذكاء الاصطناعي وأنّ العالم مقبل على عصر تحكمه الآلات، فإنّه لا يكتفي بما يشاهده في الأفلام؛ وهكذا..
المتعمق بفكره يبحث عن الأسباب لاستشراف المستقبل والآفاق وبهذه الطريقة يتقدم على طريق الفاعلية والتأثير الإيجابي على الآخرين. فهو شخص لا ينخدع بالظواهر ولا تنطلي عليه الأحابيل، ولا يغرق في شبر من الماء.
ولأجل ذلك، فإنّ مجتمعنا بأمسّ الحاجة إلى التعمّق الفكري، لأنّه يواجه ظاهرة خطرة هي ظاهرة الغزو الثقافي بكل أشكاله، في الوقت الذي تعشعش فيه حالة الانبهار وغلبة الأوهام، ولا يمكن الخروج من كل هذه الحالات السلبية إلا بالوعي والبصيرة التي تتحقّق بواسطة التعمق.
أجل، إنّ الدافع الأول للتعمّق الفكري هو أمر فطري، يتعزز بالتجربة والمعايشة وذلك حين يكتشف المتعمّق بفكره أمورًا لا يعرفها الآخرون ويدرك تأثير ذلك على حياته أولًا.
بيد أنّ للأوضاع الاجتماعية دورًا مهمًّا في تعزيز هذه الحالة والحث على التعمق الفكري، مثلما أنّها قد تكون سببًا في موته وإلغائه. ففي بعض المجتمعات يكون للمتعمّق بفكره موقع الريادة، وفي بعضها الآخر قد يعاني الأمرّين، لأنّ الناس لا يريدون أن يفتحوا أبصارهم ويكتشفوا الحقيقة؛ تزعجهم الحقائق التي لم يعتادوا عليها أو التي تتطلب منهم أن يقوموا بأفعال ومبادرات ونشاطات زائدة عمّا يقومون به. ولذلك فإنّ للنظام الاجتماعي السائد أكبرَ الأثر في تعزيز هذه الحالة أو التشجيع عليها أو العكس. فإن أردنا أن نعمل على تقوية هذا الجانب لدى أبناء مجتمعنا، فعلينا العمل على إيجاد مجالات حيوية تمكن المتعمقون من أهل الفكر من التعبير والمشاركة والتأثير، ويكون لنتاجاتهم المختلفة حضورٌ في الساحات الإعلامية وغيرها، حتى يتردد صداها في الآفاق. إنّ إهمال المتعمّقين المفكّرين يُعدّ ضربة قاصمة للتفكر والفكر الإنساني.
إنّ الفارق النوعي بين دراسة العقيدة وفق منهج الفلسفة والعرفان وبين الفكر، هو أنّ الفكر غالبًا ما يرتبط بالظواهر المُعاشة في الزمان والمكان. في حين أنّ تلك الدراسات ترتبط بالوجود على نحوٍ كلّي؛ وهي مفيدة وضرورية ولا شك، لكنّ المفكّر يتميّز عن الفيلسوف البحت  في سعيه لمعرفة آثار وظواهر هذه الحقائق التي درسها وتعرف إليها على نحوٍ كليٍّ، في آفاق الحياة وفي القضايا التي تحدث أمامه أو في الخفاء. وهنا يأتي دور المفكر ليجعل من قضايا العقيدة فكرًا يمكن أن يتلمسه الناس ويدركوا آثاره.

والسؤال هنا هوحول كيفية الوصول إلى التعمق الفكري.
إنّ التعمّق الفكري هي حالة ذهنية نفسية معنوية يعيشها الإنسان، يجتمع فيها الاقتدار مع الاهتمام؛ إلا أنّ التأمّل في تجارب وشخصية أولئك، الذين كان لهم هذه الميزة في مجتمعاتنا الحديثة، يدل على أنّهم يتمتعون بأربع خصائص أساسية:
الخاصيّة الأولى: هي الاعتقاد بأهمية التعمّق الفكري. يشترك هؤلاء في الاعتقاد بأنّ التعمق الفكري أمرٌ ضروري، لا بدّ لهم منه لفهم الحياة بصورة أفضل ولتحمّل المسؤوليات المطلوبة تجاهها.
الخاصية الثانية: هي الاهتمام والتوجّه إلى أعماق القضايا. فالاهتمام بقضايا الحياة والالتفات الدائم إلى أنّ وراءها أسباب وعوامل خفية، وعدم الاكتفاء بظواهر الأمور، ورفض السطحية في حياتهم، ورفض تصديق أي شيء يُقال، والتدقيق فيما يسمعون؛ كل هذه تندرج تحت هذه الخاصية التي نجدها في كلّ المفكرين والمتعمقين.
الخاصية الثالثة: هي امتلاك رؤية كونية واضحة، تمثّل القاعدة التي ينطلق منها هؤلاء لتحليل الأمور والظواهر ودراستها. لأنّه حين تكون الرؤية الكونية قوية وثابتة وعقلانية وشاملة، فإنّها تمكّن الإنسان من الإطلال على ظواهر الحياة والوجود بصورة صحيحة، إنّها بمثابة الشرفة التي يطل عليها هذا المفكّر فيرى الأمور من فوق ويراها من جميع الزوايا. فالرؤية الكونية هي التي تعطي الإنسان تلك القواعد أو تمنحه إدراك السنن التي تمثل المعادلات الأساسية التي تقف وراء الظواهر المختلفة في الحياة. ويمكن القول بأنّ العلاقة بين الرؤية الكونية القويمة ومعرفة أعماق الأشياء، هي علاقة الكلي بالجزئي، والحقيقة بالمصداق. فالمتعمق بفكره غالبًا ما يكتشف أنّ هذه الظاهرة ترجع إلى تلك السنة الكونية، أو إلى ذلك المبدأ الوجودي الأصلي.
والخاصية الرابعة والأخيرة التي يشترك فيها المتعمقون بفكرهمهي كثرة المطالعة والاطلاع على أعمال الآخرين والاهتمام بالأفكار التي يطرحها المتعمقون. فالمتعمق بفكره لا يحدد لنفسه سقفًا ولا نموذجًا من المفكرين يدرس عنده. إنّه يختلف عن ذلك التابع للأستاذ والمرشد الذي يحصر نفسه وشخصيته وفكره في تعاليم أستاذه ومرشده. فالمفكر لا يضع أي حدّ أو مانع أمام الاطّلاع على أي فكرة يمكن أن يطرحها أي شخص في العالم، خصوصًا إذا كان مفكّرًا ومهتمًّا بقضايا الحياة وظواهرها المختلفة.
وبحسب تجربتي إنّ أعظم مفكّرين حفل بهما العالم في العصر الحديث هما الإمام الخميني والإمام الخامنئي. فبالاطّلاع على أعمال هؤالاء وأفكارهم وآرائهم يتبين مدى العمق والسعة والاطلاع والتبحر الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان، حين ينطلق من الرؤية الكونية المتينة، من الفلسفة والعرفان، ويهتم بشؤون الحياة وقضاياها.

 

 

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center