Home مقالات

الاجتهاد الجماعي... ودوره في الانتقال بالإنتاج الفقهي إلى آفاق غير مسبوقة

الاجتهاد الجماعي
ودوره في الانتقال بالإنتاج الفقهي إلى آفاق غير مسبوقة

السيد عباس نورالدين

هناك عدّة عوامل تؤدّي إلى نضج الفقه وارتقائه إلى مستوًى يجعل الفقيه يرى الفقه أكثر تطوّرًا ودقّةً وعمقًا. ففقهاء اليوم، ومع اعتزازهم بالقدماء والأقدمين من نظرائهم، يعلمون أنّ الاجتهاد وصناعة الفقه والتحقيق الفقهي قد مر بمراحل من التطوّر النوعي الذي يجعل الاجتهاد على الطريقة القديمة غير مقبول.
 تمتع قدامى الفقهاء بمجموعة من الخصائص والميزات الخاصة على صعيد الاجتهاد، منها قرب عصرهم وزمانهم من عصر المعصوم، مما كان عاملًا مساعدًا لفهم حيثيات ترتبط بمعرفة الأحكام بطريقة لا تتطلّب بذل الكثير من التحقيق والتدقيق الذي يحصل اليوم.
يعرف فقهاء زماننا ومجتهدو عصرنا هذه الميزة جيدًا ويعتزون بها ويعتمدون على نتائجها في العديد من الحالات. لكن حين يأتي الحديث عن الاجتهاد والاستنباط، وتبدأ المقارنة بين عملية الاجتهاد والتحقيق التي كان يقوم بها الفقيه منذ ألف سنة مثلًا، وما يقوم به الفقيه اليوم، نلاحظ أن تطوّرًا نوعيًّا قد حصل على مستوى البحث والتحقيق.
 وأحد أسباب هذا التطوّر يرجع إلى تضافر جهود التدقيق والتحقيق ليس فقط على مستوى أصول الفقه، والقواعد والمبادئ التي يحتاج إليها الفقيه في عملية الاستنباط فحسب، بل في كل شيء، ومنها الآراء والأنظار التي إذا اجتمعت قد تكشف عما لا يتصور الأقدمون.
 لقد خضعت هذه المبادئ والأصول إلى دراسات معمّقة وواسعة ومستوفية، ساعدت على إخراج الكثير ممّا هو غث وضعيف، وأدّت إلى تنقيح الأصول والقواعد بصورة نوعية.. وحتى لو لاحظنا في العديد من الحالات أبحاثًا ودراساتٍ غير مجدية أو مثمرة، لكن المسار العام لحركة الاجتهاد أضحى تطوريًا وتكامليًا. فحين نتأمل في الأبحاث الفقهية التي كتبها فقهاء عصر ما قبل ال 500 سنة، ونقارنها مع ما كُتب قبل 200 سنة أو 100 سنة ومع ما يُقدم اليوم من أبحاث وتحقيقات على يد فقهاء مجدّين، لا نشك لحظة بحجم التطور النوعي في البحث الفقهي.
يتمتّع الفقيه اليوم بميزة تؤهله للاستفادة من تراث هائل يزيده قدرة وعمقًا ودقة، بالإضافة إلى فرصة الوصول إلى جميع المصادر والأبحاث ببعض الجهد.. فالفقيه الذي يبحث اليوم في موضوعات الطهارة أو في كتاب الصلاة أو الحج عل سبيل المثال، يجد أمامه من الأبحاث ومن الآراء ما يساوي أضعاف ما كان يجده الفقيه قبل 100 أو 200 سنة، ما يسمح له بمعالجة القضية من زوايا مختلفة والالتفات إلى دقائق، ما كان ليلتفت إليها لولا هذه الأبحاث المتراكمة.
ولكن قد يكون لعملية الاجتهاد مجال آخر للتطور والتكامل، وذلك حين يتمكن المجتهدون والباحثون من العمل ضمن فرق، فيتحقق أسلوب "الاجتهاد الجماعي" الذي يوفر الكثير من الجهد ويسمح للفقيه بأن يصبح أكثر إحاطة في مدة زمنية نوعية. وذلك فيما إذا قام فريق من المحقّقين أو المجتهدين بعملية الاستنباط والبحث كرجلٍ واحد وعقلٍ واحد حيث يتم توزيع مهمات وجهود البحث والاستنباط للموضوع الواحد على الجميع. أجل، قد طرح بعضٌ فكرة حول مؤسسة المرجعية، لكنّها شيء آخر. ففي هذه الأطروحة يتباحث الفقهاء بعد أن يخلص كل واحد منهم من الاستنباط، في حين أنّ ما نقصده من الاجتهاد الجماعي أو الفريقي هو أن تجري عملية الاستنباط نفسها في إطار عمل مجموعة، يسمح لعدد لا يُحصى في المشاركة، ما يزيد من القيمة النوعية والكمية.
ولا أتصوّر أنّ مثل هذه العملية قد ابتُكرت لحدّ الآن أو جرى تطبيقها، بالرغم من وضوح فوائدها عند العقلاء؛ ولعل السبب يرجع بالتحديد إلى تلك النقطة التي ترتبط بالمرجعية كحالة فردية.
إنّ الاجتهاد الفريقي لا يعني أن يُنتقص من حظ أحد، خصوصًا على مستوى الاقتدار والارتقاء بالمهارات والكفاءات، لأنّ عمل الفريق يختصر الجهد الكمي ويضاعف الناتج النوعي. ولعلّ هذا ما يريده الحديث الشريف حيث يقول الإمام عليه السلام: من شاور الناس شاركهم عقولهم.
إنّنا نتحدث عن آلية يُفترض أن تؤسس لبرامج كمبيوترية مستقبلية على طريقة عمل الذكاء الاصطناعي الذي يراكم الخبرات والآليات ويطورها. كل ذلك، من دون أن يفرض أي شيء على أي أحد. فنحن نتحدث عن مسارٍ موازٍ يسلّط الضوء على القضية ويزيد من الخيارات.
وقد يصبح هذا الأمر أكثر إنتاجية باستخدام الشبكة العالمية، التي تجعل الارتباط والتواصل بين الفقهاء والمحققين أكثر يسرًا وسرعة وأحسن تدبيرًا. فبواسطة البرامج الذكية يمكن عرض الموضوعات وتأمين المصادر المرتبطة بها وعرض الآراء وتحديد المطلوب، ومن ثمّ عرض الآراء التحقيقية الجديدة واستخلاصها وبيانها، وهكذا حتى يصل البحث إلى درجة عالية من النضج. وكأنّ برنامج الحاسوب مدير مدبر وقوي يدير جلسة بحث بأفضل وأقوى طريقة وأشدها فعالية.  
وقد يُقال أنّ مثل هذا الأمر يحدث أحيانًا، ولا نشك بأنّ هناك من يتجاوز العقد النفسية والعملية وهو يؤمن بأنّ استشارة الزملاء والنظراء وأهل الخبرة لا تزيده إلا علمًا وعمقًا؛ لكنّنا نطمح لأن يصبح الاجتهاد الفريقي ميزة إضافية يتم اكتشاف فوائدها الكبيرة على نطاقٍ واسع؛ وهذا ما يتطلّب إعادة النظر في طريقة إدارة دروس البحث الخارج، التي يكتفي الفقيه فيها بعرض استنباطه من مراحله الأولى وحتى إصدار الحكم الشرعي أو الفتوى. فلو اعتمد الفقهاء في مثل هذه الدروس على طلابهم وفوضوا إليهم مجموعة من المهام والأعمال التي يقومون بها عادة، لوجدنا أنّ مسار الدروس سيتسارع بصورة غير مسبوقة.   
يُراجع الفقيه غالبًا الكتب القديمة للاطّلاع على آراء من سبقه، ولكن هذه الطريقة متيسرة اليوم بفضل الشبكة العالميّة ووسائط التواصل، ويمكن أن تُشكّل قفزة نوعية تساعد الفقهاء على الارتقاء بأبحاثهم واجتهادهم.
وما نطرحه في مجال الاجتهاد الفريقي يتميز عن هذا أيضًا في عدة نقاط مهمة ترتبط، كما ذكرنا، بتضافر الجهود واجتماعها في شخصٍ واحد، لكن هذا الشخص سرعان ما يصبح كل عضو من أعضاء الفريق. فأنا أبذل جهدًا إلى جانب جهود الآخرين لكنني استثمر كل هذه الجهود لكي أخرج بالفتوى المطلوبة.  
فحين ننظر إلى عملية الاجتهاد هذه، نجد أنّ قسمًا منها يعتمد ـ بلا شك ـ على أصول ومهارات وإمكانات  كل مجتهد داخل هذا الفريق؛ وبالتالي فلا بد من توافر حد أدنى من المعرفة والكفاءة التي تؤهل صاحبها ليكون عضوًا فاعلًا في فريق الاجتهاد.
وبامتلاك هذا المستوى من الكفاءة، والذي يتوافر عادة بعد مرحلة السطوح العليا، يختصر الباحث جهد سنوات في أشهر قليلة، بواسطة اعتماده على جهود زملائه. فعلى سبيل المثال، سيبذل الفقيه ها هنا جهدًا ويقضي ساعات طويلة في مطالعة الأحاديث والبحث في الآراء والأدلة. مثل هذا الجهد يمكن تقسيمه على مجموعة من الناس ضمن إطار الفريق، فيختصر ما يحتاج إليه الفقيه من وقت، بحسب قوّة هذا الفريق واتّساعه وإدارته أيضًا. فعمل الفريق هنا سيرتبط في البحث والمراجعة والجهد الكمي، الذي سيقل عبر العمل الفريقي، ما يعني حصول إنجازات سريعة وقفزة نوعية كبرى على مستوى الاجتهاد.
 

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center