Home مقالات

حول أسلمة العلوم التطبيقية والطبيعية... مبادئ أساسية لإعداد المناهج

حول أسلمة العلوم التطبيقية والطبيعية
مبادئ أساسية لإعداد المناهج

السيد عباس نورالدين

لا ينظر المؤمنون بالإسلام وقيمه إلى الحركة العلمية الغربية بارتياح عمومًا، ومنها ما يرتبط بالعلوم التي تمحورت حول دراسة الكون والطبيعة والإنسان؛ هذه العلوم التي عبّرت عن نفسها بمجموعة من الاختصاصات والفروع، وظهرت بنتاج هائل استوعب جهدًا كبيرًا للبشرية، فأصبح بسبب ضخامته وحضوره مدرسة عامة يتبنّاها العالم كلّه. فالمنهج الغربيّ في التعامل مع الطبيعة والكون والإنسان هو المنهج المعتمد اليوم في كل بلاد العالم دون استثناء.
إنّ المؤمنين بالإسلام متوجّسون من حركة الغرب عمومًا، لا سيّما حين ينظرون إلى نتائج هذه العلوم على مستوى علاقة الإنسان بربّه. لقد أضحت هذه العلوم علمانية بالكامل، ليس أنّها لا ترتبط باكتشاف مظاهر حضور الله وعظمته وتدبيره وربوبيته فحسب، بل أصبحت سببًا لحصول قطيعة بين الإنسان وخالقه؛ في حين أنّ هذه العلاقة هي أساس سعادة الإنسان وكماله. أضف إلى ذلك، الآثار الهدّامة المشهودةلهذه العلوم على مستوى التطبيق والتكنولوجيا.
هناك نظرة تؤكّد على أنّ هذه العلوم لا ينبغي أن تكون المنهج الوحيد للتعامل مع الكون والطبيعة؛ وبعبارةٍ أخرى، هناك قصور في منهجها على مستوى اكتشاف حقائق العالم؛ ما يعني أنّ الاقتصار على هذه العلوم لدراسة الكون والطبيعة سيكون سببًا لحرمان البشرية من معرفة الكثير من أسرار الكون وثماره.
بناءً عليه، نحن نعتبر أنّ المنهجية الغربية غير كافية لدراسة العالم، انطلاقًا من إيماننا بدور الإنسان ودور الطبيعة في صياغة شخصيته وكماله وسعادته. من هنا، فإنّنا ندعو إلى إعادة النظر في هذه المقاربة، والعمل على تأسيس مقاربة أدق وأوسع وأشمل تجاه الكون والإنسان والوجود تنطلق من فهم فلسفة الوجود وغايته، فتكون عاملًا مساعدًا لتحقيق الأهداف الكبرى.
إنّ الفكر الغربي عمومًا لم يجد في هذا الكون سوى فرصة للاستغلال والتسخير، فرصة للتنعّم بالثروات والإمكانات والقدرات؛ في حين أنّ الرؤية الإسلامية تُثبت أنّ هناك مسؤولية كبرى تجاه هذا الكون وهذه الطبيعة، وأنّ علاقة الإنسان بالطبيعة ترتبط بالمعرفة والارتقاء الروحي، ما يعني أنّ هذه العلاقة لا تنحصر في إطار التسخير.
انطلاقًا من هذه الرؤية لا يكون التعامل مع معطيات العلوم الغربية على أساس الرفض المطلق، بل إنّ كل نتاج فكري أو علمي بشري يجب أن يخضع للمحاكمة والتمحيص؛ ولا شك بأنّ تلك المعطيات تحمل العديد من الفوائد، إلّا إنّ الاستفادة السليمة منها تتحقق فيما إذا انطلقت من منظومة علمية وأخلاقية متكاملة.
بناءً عليه، فإنّه من الخطأ أن نتعامل مع معطيات هذه العلوم ونتائجها على أنّها أمور قطعية نهائية نبني على أساسها نظرتنا للوجود والحياة؛ إنّها نتائج حركة الحس والبحث الحسّي والاختبار، والنتائج كما نعلم تتبع دائمًا أخسّ المقدمات. فالحس لا يعطي أكثر ممّا يُفترض به.
إنّ سعينا لأسلمة هذه العلوم يقتضي قبل أي شيء العمل على ترسيخ الرؤية الإسلامية للوجود والحياة والغاية والمعنى من وجود الإنسان على الأرض، وكذلك الانطلاق من فهم فلسفة خلق الطبيعة وكل كائناتها ومكوّناتها. حينها سيندفع الباحث والطالب نحو دراسة هذه الظواهر وهو يعي تمامًا موقعية هذه العلوم ومناهجها ودائرة استخداماتها النافعة والضارة. فهو يرى أنّ معطيات الحس ستكون في أحسن الحالات جزءًا من الصورة الكلية أو اللوحة التامّة التي ينبغي أن يكوّنها عن الطبيعة والكون والإنسان وكل شيء آخر. ولا يمكن أن يتعامل مع هذا الكون بالحكمة اللازمة ما لم تكتمل الصورة في ذهنه؛ فامتلاك جزء من الحقيقة سيكون أضر عليه من الجهل بالصورة كلّها.
أمّا فيما يتعلق بأخلاقيات هذا المنهج، فبالإضافة إلى الأخلاق الإنسانية العامّة، هناك أخلاق خاصة بالبحث والدوافع المرتبطة بالتعامل مع الطبيعة والحس. وغالبًا ما يؤدي غياب هذه الأخلاق إلى الانحياز وفقدان الموضوعية في البحث العلمي، كما تثبت الكثير من النماذج والتجارب التي يُبتلى بها هؤلاء، والتي تتكشّف فيما بعد عن أخطاء فادحة.
إنّ سعي الباحث لإثبات مطلب يتناسب مع وجهة نظره أو لأجل الحصول على شهادة جامعية أو لتحصيل الدعم المالي الكافي لأبحاثه أو غيرها من الدوافع، التي لا تتناسب مع الأخلاقيات الرفيعة، من شأنه أن يؤدّي إلى الكثير من الأخطاء. فلا ينبغي التقليل من خطورة ضمور الأخلاق في البحث المرتبط بالطبيعة أو بالمنهج الحسي.
كما أنّ الأخلاقيات والقيم الإسلامية تقتضي أن نتعامل مع نتاجات هذه العلوم على مستوى التطبيق والتكنولوجيا بحذرٍ ودقة، لأنّ تسخير الطبيعة لا ينبغي أن يحصل كيفما كان، بل ينبغي أن يندرج ضمن هدفٍ يسمو بالطبيعة والإنسان معًا إلى أعلى مراتب الازدهار والكمال.
وعليه، ففي الوقت الذي نعلِّم الطالب وندرّبه على أصول المنهج الحسّي في دراسة الطبيعة ونطلعه على نتاجاته التي ازدهرت، لا سيّما في القرنين الأخيرين؛ علينا أن نبيِّن له أنّ ما يقوم به هو إطلالة من زاوية محدّدة أو محدودة على هذا الوجود، وبناءً عليه لا ينبغي له أن يبني على معطياتها كامل رؤيته المرتبطة بالوجود. كل هذا ينبغي أن يسير جنبًا إلى جنب ضرورة ترسيخ القيم الأخلاقية المرتبطة بالبحث العلمي وتسخير نتائجه على مستوى التكنولوجيا والاستخدامات.
إنّ تمكين الإنسان من استخدام المنهج الحسي لدراسة الطبيعة لا يعني أنّ هناك طريقًا واحدًا لتسخير هذه الطبيعة، خصوصًا في ظل هذا الصراع الكبير على الاقتدار والسيطرة والهيمنة في هذا العالم. ينبغي التشجيع على شقّ طريق آخر يتم فيه تسخير الطبيعة والاستفادة منها بصورة تتناسب مع كرامة الإنسان وسعادة البشرية ومستقبلها المشرق.
يجب تشجيع الطالب على البحث عن طرق ووسائل لإلغاء مفاعيل التكنولوجيا الهدامة والتخريبية، كالأسلحة الفتاكة وأسلحة الدمار الشامل والصناعات البلاستيكية ـ التي كشفت اليوم عن إحدى أكبر الكوارث البيئية والصحية ـ وغيرها من التقنيات التي يكون استخدامها شديد الفعالية من جهة وكثير الخطورة من جهة أخرى؛ كما ينبغي تشجيعه على التفكير بشق طريق يُستفاد فيه من هذه العلوم لأجل إنقاذ البشرية وتحقيق سعادتها.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center