صناعة المثل الأعلى

السيّد عبّاس نورالدين

  إذا نظرنا إلى حياتنا وأردنا أن نكتشف قيمتها وأهمّيتها ودورنا فيها، فلا شيء يمكن أن يعيننا على ذلك مثل الأحداث الكبرى التي تقع فيها.
 إنّها الحوادث التي تخرج عن سياق الرّتابة والسّطحيّة والاهتمامات المادّيّة، وتجعلنا نعيد النّظر بأهم الأمور ونعمّق الفكر حول الوجود كلّه وحول الحياة والمصير ومن نحن، وأين وكيف سنكون.
 ولكن لو تفكّرنا جيّدًا لوجدنا أنّ في كلّ حدثٍ مؤثّر أو مصيريّ هناك عنصرٌ أساسيّ هو الذي يعمّق حضوره في الفكر والقلب والخيال.. إنّه باختصار: عنصر الشّخصيّة الرئيسيّة أو البطل (بحسب اصطلاح أدبيّات الكتابة والقصّة). وبعبارةٍ أخرى، إنّه الشّخص المقدام المتميّز، الذي جعلنا نشعر أنّنا قادرون أو بثّ فينا الأمل أو بعثنا على التحرّك والعمل.
وبرأيي لو كانت الحياة خالية من الحوادث المفاجئة والكبيرة، لكنّا مجرّد كائنات تسير من دون وعي أو قوّة مميّزة. فهذه الأحداث هي التي تفرض علينا البحث عن قدراتنا الكامنة. لكن الذي يهدينا في هذا البحث ويوصلنا إلى النتيجة المطلوبة هو بطلها أو الشخصيّة الرئيسيّة فيها. ولهذا، كان النّاس دومًا يتطلّعون إلى البطل في كلّ الأحداث الكبرى والأزمات الشّديدة.
بالطّبع، لا تنحصر الحوادث الكبرى بالحروب والكوارث، بل هي كل موقف في الحياة يتحدّى قدراتنا العاديّة أو قد يطالبنا بالتغيير الكبير أو باتّخاذ قرارات أكبر منّا تتحدّى الأعراف والعادات والتّقاليد السائدة.
قد يكون هذا الحدث الكبير أمرًا متعلقًا باختيار اختصاصٍ جامعيّ أو زواجٍ غير تقليديّ أو مسارٍ يتطلّب تضحية مميّزة أو حتّى مخالفة الأقران والزّملاء والشلّة! وهنا من الطبيعيّ أن  نتطلّع إلى مواقف شبيهة، لنرى إن كان قد سبقنا إليها أبطال شجعان أو أشخاص يتمتّعون بحكمة عليا.
الإجابة التي نبحث عنها أثناء تعاملنا مع مصاعب الحياة وضغوطاتها، سنجدها غالبًا في أشخاص يمثّلون لنا القدوة والمثل الأعلى؛ هذا إن كنّا لا نميل إلى تبرير تقاعسنا، بل نبحث عن قوّة إضافيّة تعيننا على مواقف الشّجاعة والحكمة.
ومثل هذا الأمر ملحوظٌ بشدّة في الأطفال والناشئة والشباب لأنّهم لا يعيشون عقدة تجاه التأسّي والاقتداء والاتّباع. فهم في العرف والبيئة ضمن مرحلة التعلّم الطّبيعيّ أو التّجربة. وعلى هذا الأساس، فإنّ أبناء هذه المرحلة العمريّة ليسوا انتقائيّين في اتّخاذ القدوة، وليس لديهم أي تحفّظ في اختيار المثل الأعلى. فكل من يبرز أمامهم في موقع متقدّم في هذا الموقف أو الحدث الكبير (وإن كان بالنسبة لهم كبيرًا) فسوف يحتل موقع القدوة مباشرةً؛ ولن يزيحه عنه إلّا قدوة أو بطل أكثر تقدّمًا وكمالًا.
لهذا نجد المشجّعين في الغالب يشجّعون ويرتبطون بالرّابح والفائز والأقوى والأكثر كفاءةً. ويصعب أن يحافظ أي بطل على مشجّعيه وعُشّاقه (كما يُقال) إن تتالت خساراته!
إنّ الذّهن البشريّ مُعدٌّ لاستقبال وتثبيت قدوة ومثل أعلى في كلّ قضيّة أو حدثٍ كبير يواجهه أو يفكّر فيه. فإن كان مهتمًّا برياضةٍ ما، فلا شك أنّه يحفظ بطلًا لها في مكان ما في ذاكرته. وهكذا بالنسبة للتمثيل والغناء والعلم والعبادة والصّبر والقتال وكلّ شيء آخر.
المثل الأعلى هو التّجسيد الأمثل لقضايا الحياة ووقائعها. وصحيح أنّ عقولنا قادرة على وضع الحقائق في إطار مجرّد (مثل قضّية كليّة مؤلّفة من موضوع ومحمول)، لكن الإنسان ليس مجرّد عقل؛ فنحن كائنات ذات تخيّل وتجسيد وشعور وانجذاب. وهنا يأتي دور المثل الأعلى ليلبّي كل هذه الحاجات والتوجّهات.
التحدّي الأبرز الذي يواجه أي إنسان هو أن يغفل تمامًا عن قضايا تُعدّ جوهريّة في حياته ولها تأثير مصيريّ عليه. وأسوأ منه أن يفقد الإنسان فرصة التعرّف إلى البطل الحقيقيّ في مثل هذه القضايا.
مثال الأوّل: أن تنحصر حياة الشّاب في قضايا الألعاب الكرويّة والأفلام السينمائيّة الحماسيّة، فلا يتعرّف إلى القضايا السّياسيّة والتحوّلات الكبيرة التي تجري في مجتمعه والعالم، ولا يعرف عن الصّراعات الواقعيّة والعوامل المحرّكة شيئًا.
ومثال الثاني: أن يعيش الشاب مثلًا في دوّامة حرب وصراعٍ كبير ووسط تحوّلات اجتماعيّة وسياسيّة كبيرة، لكنّه لن يتعرّف فيها إلّا على شخصيّات سطحيّة فارغة خالية من الحكمة والعمق والرّوحانيّة والعظمة.
من هنا كانت أهمّيّة تعريف الشباب والناشئة إلى القضايا الكبرى قبل تجربتها ومعايشتها، لكي يخرجوا من نطاق حياتهم المحدودة والضحلة. أمّا النتيجة التربويّة المرجوّة فتكمن في تقديمها مع أبطال حقيقيّين تظهر فيهم كمالات إنسانيّة عليا.
أجل، إنّ لتقديم القضايا الكبرى وعرضها فنًّا خاصًّا يتطلّب مجموعة من العناصر الأساسيّة، أهمّها: تلك المقدّمات العقلانيّة المنطقيّة التي يُفهم من خلالها كيف وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه.
ولأنّ الشّباب ليسوا انتقائيّين في مثل هذه الحالات كما ذكرنا، فإنّهم لن يرفضوا أي قدوة تبرز فيها، إلّا إذا كان ما يُعرض عليهم تحت عنوان القدوة، متناقضًا أو غير منسجم مع القضيّة المطروحة. فلا يمكن أن يجدوا القدوة في شخصيّة جبانة أو متردّدة وقت الحروب والأزمات. كما أنّ من طبيعة الشباب عدم التخلّي عن القدوة إلّا إذا وجدوا قدوة أفضل وأعلى منها؛ ولأجل ذلك فهم لا يرفضون ظهور القدوة من أيّ مكان أو بلد أو شعب أو عرق، وبأيّ كيفيّة كانت طالما أنّها تتمتّع بمواصفات القدوة.
 فسواء كان القدوة نبيًّا عظيمًا أو إمامًا معصومًا أو كان صبيًّا خاملًا عركته الحوادث وجعلت منه شابًّا ناضجًا، فسيكون قدوة واقعيّة، تؤدّي دورها المعنويّ والتربويّ بجدارة.
أمّا حين يكون نبيًّا ونعجز عن اكتشاف المسار الذي أوصله إلى مقام النبوّة والعظمة، فلن يظهر جانب القدوة فيه لنا. وكذلك إذا كان المطروح شابًّا يواجه أحداثًا كبيرة ووقائع مدهشة، لكنّنا شاهدناه يتقلّب فيها وينفعل بها، بدل أن يكون هو الفاعل والمحرّك الأساسيّ فيها، فلن يتجلّى لنا كقدوة مهما كانت المغامرة التي يخوضها شديدة وقويّة.
والسرّ الأكبر في القدوة، كما لا يخفى، هو في الإيمان الذي تزرعه فينا بإمكانيّة الوصول إلى ما وصلت إليه أو فعل ما قامت به. ولو اختفى هذا الأمر وسط أزيز الرصاص والانفجارات أو ضجيج المعارك والحروب أو في لجّة الأحداث والمغامرات، فلن يبقى هناك قدوة ولا أُسوة، وإنّما سيكون هناك مجموعة من الانفعالات الشعوريّة العابرة الزّائلة التي لا يكون لها تأثير سوى رفع مستوى الأدرينالين لبضع دقائق.
لا شك بأنّ تواجد الأنبياء والأوصياء على صفحات التّاريخ يُعدّ من أهم الوقائع التي يؤمن بها الكثيرون في مجتمعاتنا. لهذا، فلن يكون من الصّعب تقديمهم كأبطال وروّاد وصنّاع تاريخ وحضارات ومواقف عظيمة؛ لكن الفنّ الأكبر هنا هو في الكشف عن حقيقة قدوتهم لنا وعرضها على الأجيال بأسلوبٍ أدبيّ ممتع.
وبسبب ندرة من يمتلك هذا الفن، فقد تراجع الدور التربويّ للأنبياء في أوساط الشباب والمجتمعات التوحيديّة لحساب شخصيّات لا قيمة لها ولا تأثير على الرّوح والشخصيّة وسعادتها وكمالها.
ما أكثر ما نشاهد من أطفال وشباب يعشقون رونالدو أو ميسّي ولا يعرفون عن أعظم شخصيّات الوجود شيئًا. فما الذي نتوقّعه من هؤلاء حين يفقدون أهم عنصر في تكوين شخصيّتهم المتكاملة؟ ومن المسؤول هنا؟

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center