Home مقالات

حين يصبح العلم كلّ شيء: ما هو دور المدرسة في تزكية النّفوس؟

حين يصبح العلم كلّ شيء
ما هو دور المدرسة في تزكية النّفوس؟

السيد عبّاس نورالدين

حين يُطرح موضوع تزكية النّفس وتهذيبها، فلا شك أنّنا سنكون أمام قضيّة عمليّة. فالتزكية فعل والتّهذيب عمل، ولهذا قيل أنّ تهذيب النّفس لا يمكن أن يتحقّق من دون مجاهدة وسلوك.
 ولكن هل يمكن للعلم بأمراض النّفوس ورذائل الأخلاق أن يكون عاملًا مهمًّا في التخلّص منها، بحيث يغني إلى درجة كبيرة عن تلك المجاهدة الكبيرة؟
 قيل أنّ الأخلاق التي تتحوّل إلى ملكات راسخة في النّفس لا تزول بمجرّد العلم بخطرها أو عواقبها السيّئة، بل لا بدّ من العمل الحثيث والمجاهدة القويّة لاقتلاعها من النّفس. ولكن قد يكون هناك استثناء خاص يرتبط ببعض النّاس أو من هم في مرحلة عمريّة أوّليّة مثل الناشئة والشباب الذين لم يقسُ عودهم بعد، حيث يؤدّي العلم والمعرفة دورًا مهمًّا في تقوية النّوازع الطيّبة التي يمكنها التغلّب على كلّ شيء. وهنا تبرز الأسئلة التالية حول الدّور الذي يمكن أن تقوم به المدرسة في هذا المجال؟ وهل تصلح مدارس اليوم لمثل هذا البرنامج العمليّ؟ وكيف يمكن تحويل هذه المؤسّسات إلى بيئات مناسبة لترشيد الأخلاق وتكميل النّفوس؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، لا بدّ أوّلًا من التّوجّه إلى قضيّتين أساسيّتين:
القضيّة الأولى،
ترتبط بمبدإٍ عام وقانونٍ كونيّ وهو النّفس الطيّبة التي تكون الغلبة فيها للنّوازع الفطريّة حيث تميل إلى الخير أكثر من الشرّ. وفي مثل هذه الحالة، تضمحل توجّهات الشرّ ويقوى الوجدان؛ وما علينا سوى تزويدها بالمعرفة الكاشفة عن قبح وشرّيّة الرّذائل الأخلاقيّة حتّى تجتنبها وتبتعد عنها.. فنحن ها هنا أمام معادلة بسيطة وهي أنّ استقرار المعرفة في النّفوس الطيّبة ينتج صلاحًا مؤكّدًا.

والقضية الثانية، هي أن البيئة المدرسية الحالية لا تتناسب مع التوجّه الأخلاقي بل توجِد نوازع مضادّة لتكميل تلك الفطرة وتقويتها. وما لم نجرِ تعديلات جوهريّة على النّظام المدرسيّ الحاليّ، فلا يمكن تقوية تلك الدّوافع الطيّبة نحو الخير والكمال في نفوس التلامذة.
 في مثل هذه البيئة المدرسية يجد التلميذ نفسه مهانًا ومحتقرًا ومسلوب الاختيار إلى حدٍّ كبير. وما لم يدرك الشاب والحدث ضرورة تحمّل مسؤولية تحديد مصيره، فمن  الصّعب أن يندفع نحو الصّلاح والرّوحانيّة السّاميّة والتّقوى.
ولأنّ الأنظمة التعليميّة الحاليّة قائمة على تحقيق النّجاح في الامتحانات الرسميّة، مهما كلّف الأمر، فإنّ ذلك سيعود بأثمانٍ باهظة على مستوى الحريّة والكرامة والإبداع والاستقرار النفسيّ والتّوازن الرّوحيّ. وفي مثل هذه الحالة، من المستبعد أن تتمكّن هذه المدارس من إعطاء الأولويّة للقيم الأخلاقية وقواعدها وأسس بنائها. وهكذا تعجز عن إضفاء صبغة التربية الأخلاقيّة القائمة على الرّوحانيّة الإسلاميّة في أجوائها.
فعلى سبيل المثال، إذا كان معلّم مادّة التربية الدّينيّة (كما تُسمّى)، شخصًا يعتبر انتظام طلّابه وانضباطهم شرطًا أوليًّا للتعليم، فإنّه شاء أم أبى سيصبح بنظر طلّابه شريكًا في النظام البوليسيّ المفروض. وهكذا تحتجب الصورة والماهية التي يفترض أن يقدّمها للطلّاب، وهي صورة الدّين المتسامح والجذّاب والذي يغفر الزلّات ويعطي الفرص ويصبر على هداية النّاس، ولو لبعد ثلاث وعشرين سنة.. هذا المعلّم الذي لا يقدر بسبب الضغوط النّظامية والمنهاجيّة أن يتمثّل بشخصيّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الذي هو عنوان الدّين في صبره على الأذى وفي تحمّله لسوء استعدادات النّاس وقلّة اندفاعهم إلى الحقّ والحقيقة، كيف يمكن أن يقدّم الدّين، وهو لا يطبّق الحد الأدنى من شروط الدّعوة؟!
حين يتم العقاب على التقصير بحقّ الذّات لا بحقّ الغير (وهو أمرٌ لا يقول به الدّين)، فيظهر الطّالب ـ الذي لم يتمكّن من حل تمارين المسابقة كما ينبغي ـ كمذنبٍ ارتكب جُرمًا عظيمًا، كيف نتوقّع والحال هذه أن تستقر منظومة القيم الدينيّة في ذهنه وحياته!
وباختصار، إنّ الأخطاء التي تُرتكب في مدارسنا بحقّ الدّين وقيمه ومنهاجه التربويّ، تُفقد المدرسة الشرعيّة والمقبوليّة في النفوس من ناحية التكميل المعنويّ والإرشاد الأخلاقيّ، وتسحب منها القدرة اللازمة للتّأثير البنّاء والإيجابيّ على مستوى الأخلاق والمعنويّات.
فلا بدّ قبل أي شيء من إعادة تصميم المدرسة بنظامها وإدارتها للعمليّة التعليميّة ومناهجها وأداء معلّميها بما يتوافق مع الرّؤية الإسلاميّة المعنويّة المرتبطة بتهذيب النّفوس. هذا، دون أن ننسى الهامش الواسع الذي تعطيه هذه الرّؤية للأطفال والناشئة، وحتّى الشباب، على صعيد الزلّات والهفوات وحتّى الأخطاء والمعاصي، كل ذلك من أجل تكريس مبدأ التّوبة والرّجوع عن الخطأ وعدم اليأس من رحمة الله.
إنّ الحديث المفصّل عن هذا النظام المدرسيّ الأخلاقيّ يتطلّب مجالًا آخر. لأنّ هدف المقالة هو تسليط الضوء على دور العلم والمعرفة المحوريّ في تهذيب النّفس والتخلّق بالأخلاق الفاضلة. وهنا، لا بد من الانطلاق من القاعدة الأولى، التي تُعتبر مدماكًا أساسيًا في نظرتنا لقضيّة التّهذيب والتّزكية والتّكامل. فبما أنّ أبناء المدارس هم في الأعم الأغلب من الفئات العمريّة، التي تتميّز بطيبة غالبة، فسوف يكون للمعرفة هنا دورٌ رئيسيّ يكاد يصل إلى حدّ العلّة التامّة. وحين ندرك ما في المعرفة من تأثير على النفس المستعدّة لن نستبعد هذه الأطروحة، بل سنشعر بأنّنا أمام استحقاق كبير يعد بتحوّلات كبرى على مستوى التربية.
 ولا ينحصر السرّ هنا في أصل قضيّة المعرفة، بل يظهر في نوعيّة المعارف المطروحة وكمّيّتها وكيفيّة طرحها.
إنّ تراث الإسلام الغنيّ يحتوي على أروع جواهر المعارف الأخلاقيّة والمعنويّة، التي امتزجت ونبعت من سيرة عظماء يمتلكون جاذبيّة روحيّة لا نظير لها. وهذا ما يُضفي على هذه المعارف صدقيّة كبيرة تصل إلى حد توريث اليقين لمن يؤتاها.
إنّ ما نطرحه هنا يتجاوز الفكرة العامّة والكلام الإجماليّ، ويؤكّد على اكتشاف نوعيّة خاصّة من المعارف، التي تعزّز نزعات الخير والصّلاح إلى حدٍّ كبير، وتقتلع جذور الانحطاط الأخلاقيّ وتصفّي النّفوس والقلوب من كدورات التوجّه إلى سفاسف الأمور، التي تُعدّ المشكلة الكبرى في شخصيّة تلامذة المدارس.
 فما من شيء أضر على نفسية التلميذ من:
      افتقاده لمعنى الحياة وقيمة الذات،
      وعدم إدراكه لأهمية وجوده ودوره في هذا العالم،
      وجهله بما يمكن أن ينجزه أو يحقّقه في هذه المرحلة العمرية (التي يؤجّل النظام المدرسيّ الحاليّ إنجازاتها إلى ما بعد الجامعة!).

إنّ المعارف الإسلاميّة المرتبطة بالنّفس ودورها وإمكانيّاتها قادرة على معالجة هذه المشكلة المزمنة، التي تنشأ منها معظم المشاكل النفسيّة، التي تعمّق شعور التلميذ بسخافة وجوده وضآلة دوره. فهي معارف تساهم إلى حدٍّ كبير في تفعيل الوعي بالذات من خلال النماذج الرّائدة الجذابة التي تعرضها، ومن خلال ترسيخ المسؤوليّة عبر طرح النتائج الرّائعة التي يمكن تحقيقها في هذا العمر.
فهي معارف عميقة وجميلة وروحانيّة تلامس الرّوح الشفّافة للأحداث، وتوقظ فيهم حسّ الخلافة الإلهيّة الملقاة على عاتقهم، حيث سيجدون أمامهم عشرات النّماذج الرّائعة التي تحقّقت بأعلى مراتب الكمال.
إنّ مثل هذه المناهج المعرفيّة التي تفتح التلميذ على العالم الرّوحيّ الواسع للإسلام وأوليائه، إذا وجدت البيئة المدرسيّة الملائمة سوف تكون ثورة كبرى على صعيد بناء الإنسان وتهذيبه وتكميله.
أمّا الحديث عن إعداد هذه المناهج العلميّة، فيتطلّب تفصيلًا آخر نسأل الله التوفيق له.

 

 

 

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center