Home مقالات

تعالوا نقضي على الأمّية اللغويّة... لماذا يجب تطوير برامج تعليم اللغة العربية؟

تعالوا نقضي على الأمّية اللغويّة

لماذا يجب تطوير برامج تعليم اللغة العربية؟

السيد عباس نورالدين

إنّ مطالعة سريعة لمستوى اللغة العربيّة في خرّيجي المدارس الثانويّة يدلّ على مشكلة حقيقيّة، تتفاقم آثارها لتطفو على سطح الشخصية في جميع مجالات الحياة. وإذا كان ثمّة اتّفاق حول دور اللغة في بناء الفرد وأهمّيتها في حفظ ثقافة المجتمع، فإنّ الخطوة الأولى على طريق المعالجة تكمن في تحديد المستوى المطلوب لتحقيق هذه الأهداف الإسلامية. 
لا ينبغي أن نشك للحظة في الدور المحوريّ للّغة العربيّة، خصوصًا فيما يرتبط بعلاقة الإنسان بدين الإسلام. فالقرآن الذي يُعدّ المصدر الفكريّ والمعنويّ، الذي ينهل المسلم منه في عملية تكوين رؤيته للوجود والمصير، وفي حياته المعنويّة وعلاقته بالله تعالى هو كتابٌ عربيّ لا يمكن ترجمته دون أن يفقد أهم عناصر قوّته وتأثيره. ولا يمكن لهذه الرابطة أن تستقيم ما لم يصبح المسلم شديد الاهتمام بالقرآن كونه أعظم مظهر لحضور الله في حياته. ولا شك بأنّ وسيلة هذا الاهتمام وطريقه الميسّر يمرّ عبر إتقان اللغة العربيّة. وليس هذا لأنّ إعجاز القرآن منحصر بالبيان، وإن كان مبدوءًا منه.
إنّ التراث العظيم لأهل بيت العصمة والطهارة بما يتضمّنه من حقائق ومعارف ومواعظ وحكم بالغة للحياة مستودع في قالب اللغة العربية؛ والاستغناء أو الغربة عنه هو أحد أعظم الخسائر التي يمكن أن يُبتلى بها الإنسان في حياته كلّها، وسوف يكون مسؤولًا في موقف الحساب عن هذه النعمة الكبرى التي لا تضاهيها نعمة.
ولا ننسى بأنّه كلّما زادت قدراتنا اللغوية وقويت مهاراتنا البيانيّة، ازددنا قربًا من هذا التراث بصورة تلقائيّة. فانجذاب العربيّ الفصيح، الذي لا يعيش أي عصبيّة بغيضة تجاه أمراء الكلام (عليهم السلام)، هو أمرٌ حتميّ. ولا يخفى على أي مربٍّ ضليع ما لهذا الانجذاب من أثرٍ عظيم على مستوى تحقّق كل أهداف التربية الإسلامية.
لقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف العترة الطاهرة: "وَإِنَّا لَأُمَرَاءُ الْكَلَامِ وَفِينَا تَنَشَّبَتْ‏ عُرُوقُهُ وَعَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ‏ غُصُونه". [نهج البلاغة، ص 354]
أجل، إنّ للانجذاب إلى الكاملين الأطهار أسبابٌ عديدة، وبعضها يخرج عن الأسباب العادية، إلّا أنّ انجذاب الذين يشعرون بلذّة اللغة ويتمتّعون بروعة الذّكاء اللغويّ ليس بالأمر الذي يُستهان به. فوراء كل هذا البيان الفصيح والعذب والبليغ معارف لا نهاية لها.
ومن أعظم مظاهر هذا التراث الشريف كتابا "الصحيفة السجادية" و"نهج البلاغة"، اللذان يُعدّان قمّة البيان ويقفان على رأس روائع التراث العربيّ، بل اللغويّ، الذي خلّفته البشريّة قاطبةً. وبالإضافة إلى روعة البيان وجمال اللغة وجاذبيّة التجربة الشعورية التي يخلّفانها في قلب المستمع وذهنه وخياله، ففي هذين الكتابين يتعرّف المرء إلى أعظم المعاني التي نطق بها الدين، وترجمها أولياؤه لتكون في متناول العالمين.
ويكفينا ما قيل حول "الصحيفة السجادية" بأنّها القرآن الصاعد الذي ظهر من أعماق روحٍ امتزجت بكلام الله وتخمّرت بآياته. فأيّ شيءٍ يمكن أن يحقّق للإنسان مثل هذا الارتباط العميق بالله تعالى بعد كتابه العزيز؟ 
وإذا كنّا بصدد إصلاح النفوس وتزكيتها، فسيكون هذا الكتاب الفريد أفضل وسيلة وأيسر برنامج. فهل يمكن ذلك دون وجود هذه العُلقة اللغويّة التي تحصل من جرّاء القدرة البيانيّة؟
وإذا أردنا امتلاك البصيرة الاجتماعية والتاريخيّة، فلن نجد مثل كتاب "نهج البلاغة". وإذا أردنا للأجيال أن تنشأ على حبّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فلن نجد ما هو أفضل من كتاب نهج البلاغة لتحقيق هذا الهدف التربويّ الرّائع.
وإذا كانت المرحلة العمريّة الأولى هي مرحلة البناء الأساسيّ للمهارة البيانيّة، والزمان الذي يمكن تفعيل الذّكاء اللغويّ فيه؛ فمن الذي يكون أقدر على تحقيق ذلك من المدرسة؟!
يتجلّى تراثنا الدينيّ الأكبر في قالب اللغة العربية؛ وإنّها لخسارة كُبرى أن لا يعمل كل من يتحرّق قلبه ويسعى لترسيخ المفاهيم الدينية على تقوية القدرات اللغويّة في الأجيال. ففي مثل هذه القوّة تنشأ كل الاستعدادات الطيّبة للإقبال على الإسلام وتراثه. كما أنّ الضعف اللغويّ البارز يُعدّ أحد أهم أسباب الإعراض عنه وفتور الميل لدراسته ومطالعته.
إنّ مناهجنا المدرسيّة اليوم، بالإضافة إلى ضعفها الظاهر في تأمين المهارات اللغويّة اللازمة، تجعل لغة التراث تبدو وكأنّها لغة أجنبية ثالثة.
يجب العمل قبل أيّ شيء على تحقيق ما يمكن أن نعبّر عنه بالاستيناس اللغويّ بالتراث (بدءًا من القرآن وانتهاءً بالنصوص التي خلّفها علماء الإسلام على مدى العصور). وهذا ما يستلزم أيضًا تعيين الحدّ الأدنى من المهارات اللغويّة التي تحقّق ذلك الغرض.
والمقصود من هذا الهدف هو أن تصبح قراءة القرآن والسعي لتفكيك رموزه واكتشاف عجائبه مطلبًا أساسيًّا في مخرجات منهاج اللغة العربية؛ ممّا يستدعي إعادة بناء المنهاج على أساس النظام اللغويّ القرآنيّ.
فللقرآن نظامه اللغويّ، الذي يقوم على أساس الفصاحة المطلقة والبلاغة المتفوّقة، التي لا يمكن لأحد أن يأتي بمثلها. ولذلك فهي أفضل رافعة للقدرات البيانيّة لقرّائه المتدبّرين؛ يرتقي بهم إلى قمم البيان وأوج القدرة اللسانية التي تصنع منهم أذكى الناس وأكثرهم تأثيرًا. وإذا تمسّك أحدنا بلغة القرآن فقد استمسك بذلك الحبل الذي يبلغ به جنّة المعاني ويدخله رياض الحكمة البالغة. أجل، إنّ مفتاح ذلك كلّه هو الأنس بلغة القرآن.
ملاحظتنا هي أنّ المناهج العربية السائدة عاجزة عن تحقيق هذا الهدف التعليميّ، لقيامها على منهج ورؤية لا تنسجم مع نظام القرآن اللغويّ، بل قد تتعارض معه أيضًا! ولهذا المنهج قصّة مطوّلة، لا يسع المقال لعرضها، وكل ما يمكن أن يُقال هنا هو أنّنا بحاجة لإعادة بناء مناهجنا اللغويّة انطلاقًا من النظام القرآنيّ الخاصّ، الذي يهدي من سلك نهجه إلى شهود المعجزة الكبرى الكامنة فيه.
إنّ نظام القرآن قائمٌ على نفي الاعتباطيّة اللغويّة، التي كانت نتيجة طبيعيّة للاعتباط الفكريّ، الذي عاشته الأمّة بعيدًا عن قادتها الواقعيّين. فاللغة تتفاعل مع الفكر وتنمو في بيئته. وكما أنّ شعراء اللغة العربيّة ألزموا أنفسهم بموسيقى الوزن واخترعوا لأنفسهم حقًّا في استعمال اللغة وفق ذلك، على قاعدة "يحقّ للشاعر ما لا يحقّ لغيره"، فإنّ فهم عمق الفصاحة والبلاغة القرآنيّة قد تأثّر إلى حدٍّ كبير بقدرات اللغويّين، الذين لم يدركوا سيطرة الحقيقة على اللغة.
لا شك بأنّ من يجعل إدراك البيان الإلهيّ القرآنيّ هدفًا لمسيرته اللغويّة، سوف يتّصل بالجذور القويّة للّغة العربيّة، التي هي أحد أهم عناصر التفوّق النوعيّ في بناء الشخصية. ولأجل ذلك نحتاج إلى إعادة تعريف الأمّيّة اللغويّة بأنّها عبارة عن تلك الحالة التي تقطع الإنسان عن لغة القرآن وبيانه.  

 

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center