كيف نستعد للقاء الله

السيد عباس نورالدين

لقاء الله هو الغاية القصوى من حركة الكائنات. ومن بين هذه الكائنات، كان الإنسان (الصورة العليا)، الذي يُفترض أن يكون في مقام التحقّق بجميع صفات الكمال، حيث حصول تعلّم الأسماء كلّها.
لقاء الله هو الوجه الأبرز للمعاد الذي يعني العود إلى المبدأ: {كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُون}‏.[1]
لقاء الله هو الحقيقة الكبرى التي ستتجلّى يوم القيامة: {يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى‏ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْ‏ءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّار}.[2]
لقاء الله هو الهدف الأسمى لسير السالكين ورحلة العابدين ووجود المسلمين: {فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}.[3]

فكيف سيكون هذا اللقاء؟ وكيف ينبغي أن نستعد له؟ وما الذي يحصل في حال لم نكن لائقين له؟

إنّ أحد أهم معاني لقاء الله هو تلك المواجهة العظمى التي تحصل للإنسان بكل وجوده مع الحقّ تعالى بكلّ تجلّياته؛ وحينها لن تكون المواجهة الحسيّة ذات أهمية تُذكر مقارنةً بالمواجهة القلبية، حيث كان القلب هو حقيقة الإنسان ومقامه، وكانت جميع الأبعاد الأخرى بمنزلة قواه وعمّاله (سواء كانت فاعلة أو مدسوسة).
هذا القلب الذي هو بمثابة باطن الإنسان في العالم الأرضيّ، أو هو كذلك بالنسبة للمحجوبين بغواشي المادّة والحسّ، هو الذي سيظهر على حقيقته ذات يوم مع ما فيه من قوى إدراكية وشعورية. فإن كان سليمًا من الآفات وخالصًا من العيوب والعاهات، قبِلَ وسلّم بكل التجليات الإلهية ورضي عنها. وإلى هذا الإشارة الواضحة في الكريمة الإلهية: {يومَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُون‏ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَليم}‏.[4]

ولهذا، كانت المهمّة الأولى لأي إنسان في الدنيا هي الحفاظ على سلامة قلبه وطهارته، حيث تكثر العوامل المكدّرة والطامسة والخاتمة والطابعة فيها، ويمكن أن تنجر إلى انعدام أي قوّة لازمة لإدراك تلك الحقائق الكبرى أو قبولها والإذعان لها. فمنهم من يجري عليه {فإنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتي‏ فِي الصُّدُور}؛[5]ومنهم من يكون مثلا لقوله تعالى: {وَمَنْ كانَ في‏ هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏ وَ أَضَلُّ سَبيلًا}،[6]وغيرها من حالات الإنكار والرفض والكفر.


والسلامة القلبية تنبع من مستوى الإدراك المطلوب ومن ماهية المدرَك والمقابِل، الذي سيكون اللقاء الحتميّ معه. فما لم يكن القلب مستعدًّا للتجلّي الإلهيّ الأتم، لن يكون صاحب القلب السليم. وقوله تعالى: {يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقيه‏}،[7]إشارة إلى أنّ كل إنسان سيلاقي الله بحسب تربيته له.
ولأنّ الله تعالى يربّي كل إنسان بحسب استعداده وطلبه وحركته الاختياريّة، فقد يكون هذا اللقاء بالنسبة للبعض لقاءً بالربّ المنتقم أو المضل! لأنّهم سلكوا طريق الغواية وطلبوا لأنفسهم الضلالة. وهناك من يكون لقاؤه بالربّ الودود والعطوف، لأنّه سلك طريق المحبّة الإلهية؛ {كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}،[8]وهناك من يكون له اللقاء والوصول إلى الربّ بجميع أسمائه وتجلياته الجمالية والجلالية، المشار إليها في مقام الاسم الأعظم والمعبّر عنها بالاسم الله سبحانه.


أجل، كل إنسان في النهاية سيواجه هذا التجلّي الأعظم، وما لم يكن مستعدًّا في قلبه لقبوله وتقبّله والتسليم له، فسوف يتنكّر له ويرفضه. وهذا هو الموقف الأسوأ والفشل الأكبر في النهاية.
لهذا، كان على كل إنسان أن يُعدّ قلبه للقاء الله بجميع أسمائه وصفاته، من الجمال والجلال؛ وفي هذا يكون الفوز الحقيقيّ للإنسان؛ قال الله تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ}.[9]فأول ما يعاينه أولئك الذين استغرقوا في بحار رحمة الله تعالى هو تلك النار التي تحكي عن شديد غضب الله وعظيم جلاله وسطوته؛ وهو أمرٌ حتميّ، كما قال عزّ مِن قائل: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى‏ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا}.[10]وهكذا، يكون المؤمن على موعدٍ مع شهود هذه النقمة المطلقة، ويكون أمام امتحان تقبّلها بالنحو الذي لا يتقبّله أو يتصوّره كثير من المؤمنين، وهو امتحان الأمر الإلهيّ بدخولها؛ قال الله تعالى: {وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُون‏}.[11]
 وبحسب ما قرأنا في الأحاديث الشريفة، وبحسب ما دلّت عليه حقائق الوجود ومعاني النظام الأحسن، فإنّ هذا الامتحان سيشمل الجميع، حتى من مات صبيًّا صغيرًا أو على غير عقل، حيث يمنحه الله تعالى في ذلك الموقف العقل الكافي لإدراك ما تعنيه جهنّم (أي جلال الله المطلق)، ثمّ يأمره بدخولها؛ فإن هو قبِل، تبدّلت النار إلى بردٍ وسلام وجاز وهي خامدة أو لا يسمع حسيسها؛ فقد عبّر بهذه الطاعة عن عمق إيمانه بالله والتسليم لإرادته.


إنّ امتحان لقاء الله تعالى سيكون بالنسبة لمن عاش في ظلّ جماله وتنعّم بنعمة هدايته في الدنيا أن يواجه الجلال الإلهيّ المطلق؛ لأنّ هذا الجلال ليس سوى شأن من شؤون الله تعالى. وكيف نكون مؤمنين به حقًّا إن لم نقبله كما هو سبحانه وتعالى؟ وهل أنّ الله هو ذاك المعبود الذي تخترعه أوهامنا وتصوّره عقولنا كما يحلو لها؟
وبالنسبة للذين عاشوا حياة البعد ولم يشهدوا جمال الله في هذا العالم، ولم يظهر عليهم الإيمان بمواهبه وعطاياه ـ أي لم يكونوا من الشاكرين، فإنّ الله تعالى، حين يتجلّى لهم بصفات الجمال، سيكون بالنسبة لهم مكروهًا منكرًا، كما كان حالهم في الدنيا حين كان الله عزّ وجل يفيض عليهم بنعمة الهداية والرسالة والولاية، ويبعث لهم من هو قادر على أن يأخذ بأيديهم إلى الجنّة والرضوان والرحمة والغفران، وكانوا يتنكّرون له ويرفضونه ويحاربونه ويكفرون.
ومثلما أنّ الله تعالى يتجلّى لعباده في الحياة الدنيا بتجلّيات الجمال، فهو يتجلّى بكل مراتب الجلال أيضًا. هذا، وإن كانت الدنيا بما هي دنيا لا تتّسع لأكثر هذه المراتب.. لكن الذين تمكّنوا من عبور حاجز الدنيا بسلوكهم الاختياريّ أو حتى بغيره، استطاعوا مشاهدة أعظم التجلّيات، وكان لهم نصيب من مقام الاسم الأعظم وحصلت لهم فرصة الإيمان والتسليم.
فالموقف هو الاسم الأعظم، والامتحان هو قبول تجلّي الجمال في عين الجلال والجلال في عين الجمال. هذا هو لقاء الله، وكل من آمن به وسلّم لتجلّيات نقمته في شدائد هذه الحياة وبقي شاكرًا صبورًا، كان له حسن اللقاء بالله تعالى والفوز المبين.

 

 

[1]. سورة الأعراف، الآية 29.

[2]. سورة غافر، الآية 16.

[3]. سورة الكهف، الآية 110.

[4]. سورة الشعراء، الآيات 88-89.

[5]. سورة الحج، الآية 46.

[6]. سورة الإسراء، الآية 72.

[7]. سورة الانشقاق، الآية 6.

[8]. سورة الإسراء، الآية 20.

[9]. سورة آل عمران، الآية 185.

[10]. سورة مريم، الآية 71.

[11]. سورة يوسف، الآية 106.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center