Home مقالات

كيف سيجمع الإمام المهدي كلمة شيعته ومواليه؟ مقدّمات وحدة صف الموالين المصلحين

كيف سيجمع الإمام المهدي كلمة شيعته ومواليه؟
مقدّمات وحدة صف الموالين المصلحين

السيد عباس نورالدين

لا تنحصر معاناة الموالين والمحبّين لأهل البيت (عليهم السلام) في استضعاف أعدائهم لهم والتنكيل بهم ومحاصرتهم ومحاربتهم وقمعهم؛ فهناك معاناة، لعلّها أشد وأنكى، وهي ما يحصل فيما بينهم من عداوات ونزاعات في شتّى المجالات، وخصوصًا المجال الدينيّ والفكريّ.
وقد ورد في الحديث: عَنْ عَمِيرَةَ بِنْتِ نُفَيْلٍ قَالَتْ سَمِعْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (ع)‏ يَقُولُ: لَا يَكُونُ الْأَمْرُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَبْرَأَ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَيَتْفُلُ بَعْضُكُمْ فِي وُجُوهِ بَعْضٍ، وَيَشْهَدَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْكُفْرِ، وَيَلْعَنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا؛ فَقُلْتُ لَهُ: مَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنْ خَيْرٍ؟ فَقَالَ الْحُسَيْنُ (ع): الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يَقُومُ قَائِمُنَا وَيَدْفَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ".[1]
 وفي حديثٍ آخر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا تَرَوْنَ مَا تُحِبُّونَ حَتَّى يَتْفُلَ بَعْضُكُمْ فِي وُجُوهِ بَعْضٍ، وَحَتَّى يُسَمِّيَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَذَّابِينَ، وَحَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ ـ أَوْ قَالَ مِنْ شِيعَتِي ـ [إِلَّا] كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ، وَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ مَثَلًا وَهُوَ مَثَلُ رَجُلٍ كَانَ لَهُ طَعَامٌ فَنَقَّاهُ وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ بَيْتًا وَتَرَكَهُ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ أَصَابَهُ السُّوسُ، فَأَخْرَجَهُ وَنَقَّاهُ وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ إِلَى الْبَيْتِ فَتَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ أَصَابَ طَائِفَةً مِنْهُ السُّوسُ فَأَخْرَجَهُ وَنَقَّاهُ وَطَيَّبَهُ وَأَعَادَهُ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَقِيَتْ مِنْهُ رِزْمَةٌ كَرِزْمَةِ الْأَنْدَرِ لَا يَضُرُّهُ السُّوسُ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ أَنْتُمْ تُمَيَّزُونَ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا عِصَابَةٌ لَا تَضُرُّهَا الْفِتْنَةُ شَيْئًا".[2]
تأمّلت مليًّا في سيرة الإمام الخميني منذ أن صدع بإعلان المواجهة الكبرى ضدّ النظام الطاغوتي، فوجدت أنّ أشد ما لاقاه هذا الفقيه العارف كان من داخل البيئة الدينية التي انطلق منها. وقسمٌ كبيرٌ من هذا العداء كان بسبب اختلاف الفكر والرؤى مع الإمام، وإن كان لا ينبغي أن نستبعد عنصر الحسد المعروف بين العلماء.
هناك من يعتقد بأنّ موالي أهل البيت ومحبّيهم لا ينقصهم شيء على مستوى العلم والإمكانات لتحقيق الكثير من الأهداف الرسالية والانتصار على أعدائهم أو كبتهم وصدّهم ومنعهم من الاعتداء عليهم، كما يحصل اليوم في مختلف أرجاء العالم؛ لكن تشتّتهم وتمزّقهم وتفرّقهم هو نقطة ضعفهم الكبرى، التي تقف حجر عثرة أساسية أمام تحوّلهم إلى قوّة عظمى.
وبالتأمّل في نقاط قوّة محبّي أهل البيت يمكن أن نصل إلى هذه النتيجة نفسها. فما عندنا من تراثٍ عظيم تركه لنا أهل بيت العصمة والطهارة، كفيل ببلورة مشروعٍ متكامل لتشكيل مجتمعٍ مثاليّ تزدهر فيه المعنويّات والماديات بصورةٍ تجعله مجتمعًا متطوّرًا ومتقدّمًا على المستوى الحضاريّ. وفي مثل هذا الإنجاز تكمن القوّة التي تجعل شعوب العالم متردّدة في تأييد حكوماتها التي تشنّ كل هذه العداوات.
أضف إلى ذلك إمكانية تحقيق الكثير من التطوّر والتقدّم العلميّ والتقنيّ من جرّاء وحدة الكلمة والاتّحاد؛ ممّا يمنح هؤلاء الموالين من عناصر القوّة ما يجعل مجرّد التفكير في الاعتداء عليهم سببًا لإلقاء الرعب في النفوس.
إنّ ما تمّ جنيه من تراث أهل البيت لحدّ الآن يكفي لتحقيق مثل هذا الإنجاز الحضاريّ، الذي يجعل مواليهم أقوياء إلى هذا الحد؛ لكن المشكلة تكمن في اختلاف رؤوس الموالين وزعمائهم الدينيين وغير الدينيين على أولويات المشروع والأطروحة؛ هذا، إن لم نحسب حساب وجود زعماء موالين لأعدائهم يعملون في الخفاء وفق مخطّطاتهم وأجندتهم؛ وهذا إن لم نضف العامل النفسيّ السلبيّ الذي يجعل بعض الزعماء ينطلقون في حساباتهم من موقع حبّ الرئاسة والزعامة والوجاهة.
لو اتّفقت كلمة زعماء الموالين وعلمائهم المؤثّرين على أولويات العمل والمشروع والحركة الاجتماعية، لأصبحت تلك الزعامات العميلة والمريضة مكشوفة إلى الدرجة التي تسقطها من اعتبارها الذي تتلطّى به لركوب أمواج الجماهير. لكن حين يختلف الصالحون أو الطيبون فيما بينهم، فسوف يتسلّل المنافقون ومرضى القلوب في صفوفهم، ليستغلوا هذه الخلافات ويؤجّجوا تلك العداوات مواسين للبعض ومحرّضين لآخرين.
في التاريخ الحديث تبيَّن أنّ المخابرات الملكية في إيران كانت قد نجحت في دس مجموعة من المتظاهرين بالمشيخة والعلم في بيوت بعض مراجع الدين إلى الدرجة التي أصبحوا معها من ثقاتهم وأقرب المقرّبين لهم. وبعدها قام هؤلاء العملاء بالعمل المنظّم والبعيد المدى، بهدف إبعاد هؤلاء المراجع عن الإمام وتأليبهم عليه وإقناعهم بأنّ الإمام يمثّل الخطر الأكبر على الشيعة والحوزات الدينية. وكل هذا مسجّل وموثّق في المستندات والوثائق التي عُثر عليها بعد انتصار الثورة في مراكز السافاك.
من الطبيعي أن يفتقر الموالون للاستحكام الفكريّ الذي يوحّدهم ويجمعهم كصفٍّ واحدٍ وبنيانٍ مرصوص، وذلك حين يكونون على مدى العصور مكشوفين لأعدائهم ويعيشون تحت سطوة سلطات جائرة أو نفوذ قوى استعمارية.. فعلى سبيل المثال، لم تتمتّع الحوزات الدينية، في تاريخها الممتد، بالقدرة التنفيذية اللازمة لمنع أي نفوذيّ أو خائن أو مستغل أو منحرف من التواجد فيها والعمل والتدريس وممارسة أي عمل هدام. وإنّما شكلت القوة المعنوية لمراجعها العظام، بعض المناعة بواسطة علميتها ونفوذها المعنوي، ما جعل أولئك المستغلّين معزولين ومفتضحين.
أجل، لقد كان مثل هذا الاستقلال عاملًا مهمًّا في حفظ شأنية الحوزة الدينية ونقائها؛ فلو خضعت الحوزات الدينية للسلطات الحاكمة في عصور الظلام، ما كنّا لنرى مثل هذا الفقه العميق الغنيّ والمكانة المعنوية العالية لأهلها.
ومن الطبيعي أن لا ينشط البحث الفكريّ في الوسط العلميّ، الذي يجتنب التدخّل في الأمور السياسية والاجتماعية والمصيرية، كما شاع على مدى العصور.. فالتكامل والتوافق والانسجام الفكريّ داخل أي جماعة بشرية لا يحصل إلا وسط بيئة تفاعلية تسمح لهامش كبير من الاختلاف والنقاش.
 وربما كانت حساسية الأوضاع والضعف البنيويّ البيّن، سببًا حال دون نشوء مثل هذه البيئة وثباتها. ففي بعض الحالات رأينا أنّ مجرّد نقل بعض الأحاديث الغريبة (التي تبيَّن صحّتها فيما بعد) كان كفيلًا بطرد راويها وناقلها ونفيه من البلد. وما زالت هذه الحساسية لحدّ اليوم ـ وإن بدرجات متفاوتة ـ مشهودة بين نسبة كبيرة من طلّاب وعلماء الدين في البيئات العلمية وخارجها. فبمجرّد أن يسمع هؤلاء المتحسّسون عن رأيٍ مخالف، حتى تُستثار حساسيّتهم المعهودة فينبروا للرد والمواجهة بمختلف الأعيرة والأساليب. وقد كانت هذه الحساسية المفرطة سببًا يحرِّض على التكفير والتفسيق والبهتان، لما سمعوه وفسّروه من قول رسول الله (ص): "إِذَا رَأَيْتُمْ أَهْلَ الرَّيْبِ وَالْبِدَعِ مِنْ بَعْدِي فَأَظْهِرُوا الْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ وَأَكْثِرُوا مِنْ سَبِّهِمْ وَالْقَوْلَ فِيهِمْ وَالْوَقِيعَةَ وَبَاهِتُوهُمْ".[3]
حين لا يترعرع الفكر ضمن بيئة واقعية تطبيقية مرتبطة بالمجتمع وتحدّياته ومشاكله، فمن المتوقّع أن تتشكّل أولويات غير الأولويات. وهذا هو العامل الأوّل الذي أنشأ العديد من التيارات العلمائية والدينية المتضادّة أو المتصارعة، التي يوغل بعضها في التاريخ والسلالات إلى الدرجة التي تجعلك تظن أنّه لا مجال لبناء أي جسر للتواصل والتحاور.
نتعرّف إلى بعض العلماء المقدّسين فنجدهم قمّة في التقوى والنزاهة والورع، لكنّنا نُصعق حين نسمعهم يلعنون عالمًا جليلًا لم نعرف منه سوى تلك الصفات وغيرها. فكيف وصل بهم الأمر إلى هذا المستوى من العداء والإنكار؟ أليس لأنّهم ركّبوا مجموعة متّصلة من المقدّمات التي أوصلتهم إلى الاستنتاج بأنّ هذا العالم يشكّل خطرًا على الشيعة وعلى الحوزة وعلى الدين وعلى إمام الزمان؟!
لا تعجب إن شاهدت أمثال هؤلاء، فبيئة الموالين مليئة بهم. ولا مخرج من هذا المأزق إلا بانخراط الجميع في حوارٍ عميق يتأسّس على قواعد البحث العلميّ، كما حصل على مستوى الفقه وأصوله بعد تلك الصدمة التي تسبّب بها الإخباريّون قبل عدّة قرون، واضطرّت المجتهدين إلى تعميق أصولهم وتمتينها.
إنّ ابتلاء المؤمنين ببعضٍ كان، ولا يزال، سنّة من سنن التاريخ والحركة الاجتماعية التي تفقد إمامها أو تعجز عن الاهتداء بهديه. لهذا، فإنّ إحدى أهم القضايا التي يجب تفعيلها على أعلى مستويات البحث العلميّ هي قضية الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، فما لم تؤسَّس الأصول العلمية المتينة لدراسة هذه الظاهرة العظمى وامتداداتها ولوازمها وشروطها، فمن البعيد أن يتمكّن الموالون من بناء الجسور اللازمة لرأب صدوع الخلافات على الأولويات.
إنّ حضور قضية الإمام هذه المرّة، مع كل هذه القدرة العلمية التي تراكمت على مدى العصور، سيكون كفيلًا بإنتاج تراثٍ معرفيّ معنويّ توحيديّ فكريّ حضاريّ لا مثيل له. ألم يأن الأوان بعد؟!
 
 

 

 

[1].  بحار الأنوار، ج52، ص 211، ح58.

[2]. بحار الأنوار، ج52، ص 115، ح37.

[3]. الكافي، ج2، ص 375.

كتب ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center