Home مقالات

لماذا الانتصار في الداخل أصعب!

لماذا الانتصار في الداخل أصعب!

السيد عباس نورالدين

هل يمكن لقوة معينة أن تنتصر على عدوٍّ خارجي ولكنّها تُهزم في الداخل؟

هل يمكن لحزب أو جبهة مقاومة أن تمتلك ألف ميغا طن قدرة حين تواجه عدوًّا غازيًا مدججًا بأحدث الأسلحة المتطورة، لكنّها تصبح بقوة عشرة ميغا طن حين تتعامل مع تحديات داخل وطنها؟
هل يختلف إعمال القوة حين تقاوم عن إعمالها حين تخاصم؟
كثيرون يتصورون أنّ المقاومة الإسلامية في لبنان، ولأنّها انتصرت على الجيش الذي لا يُقهر، المدعوم من القوة الأمريكية العظمى وحلفائها الأوروبيين والعرب، فإنّها تستطيع أن تحسم الأمور في لبنان لمصلحتها بعدة ساعات، غافلين عن عنصرٍ أساسي يقف وراء القدرة وهو ما يمكن أن نعبّر عنه بنوع القضية التي تقاتل من أجلها.
لا شك بأنّ قضية المقاومة هي من الوضوح والاعتبار القيمي بحيث يكون المقاومون منصورين في اللحظة التي ينطلقون فيها لجهاد عدوهم الغاشم، يدعمهم قبل أي شيء تأييد شعبهم واحتضانه، وتزلزل عدوهم المعتدي، لكونه غازيًا محتلًّا لا يقاتل من أجل قضية قيمية سامية.
في هذا العصر أصبح من أصعب الصعوبات أن تقنع الحكومات شعوبها بخوض حروب الغزو والاحتلال، مهما كانت قدراتها وإمكاناتها الدعائية. فحين تطأ أقدام الجند أرضًا أجنبية، فإنّ أول من يحاربهم هو أفكارهم وعقائدهم، التي تبدأ بإمطارهم بأسئلة لا تنتهي حول جدوى وجودهم محتلين غزاة وناهبين.
لكن، قد تختلف مواجهة تحديات الداخل بشكلٍ جوهري عن المقاومة؛ وذلك حين يعجز هذا المقاوم عن بلورة قضية قيمية بمثل وضوح وسموّ قضية المقاومة، فيُصاب هو نفسه بنوع من الوهن والضعف النسبي؛ أو لنقل أنّه يعجز عن دفع جبهته ومؤيديه باتّجاه بذل ذلك الإبداع والجهد والتضحية التي شهدها منهم في مقاومة المحتل الغازي. وهنا يكمن التحدي في أي نوع من المواجهات والصراعات. فهل ستتمكن قيادة المقاومة من تحويل مواجهات الداخل وصياغتها ضمن قضية تتمتع بموقعية رفيعة وسط منظومة القيم التي يؤمن بها الناس والأتباع؟
الدفاع عن الوجود وحفظ البقاء هي القيمة الأولى التي يسهل الترويج لها والعمل عليها باعتبار أنّها قيمة غريزية لا تحتاج إلى فكر وعقيدة ودعاية؛ فأي شعب ـ مهما كانت عقيدته وثقافته ـ سينهض للدفاع عن نفسه مقابل الغزاة المحتلين وهو يراهم ينهبونه ويسعون إلى تهجيره من أرضه. لكن حشد الطاقات الذاتية لخوض مواجهة "ترسيخ العدالة" في الوطن سيحتاج إلى جهد أكبر بكثير من جهد المقاومة؛ كما أنّ نوعية الأسلحة والأدوات التي تستخدمها المقاومات قد لا تنفع بتاتًا في هذا النوع من الجهاد؛ لذلك لن يكون هناك من معنى لاستحضار كل القدرات التي تراكمت عبر سنين المقاومة المديدة. فلا الكادر العسكري قد يكون مستعدًّا لذلك، ولا نوعية التنظيم أو التشكيلات قد تفي بالغرض هنا.
وعليه قد تتطلب مثل هذه التحديات إعادة بناء القدرة من المسودّة، أي من الصفر؛ وذلك بأن تتشكل القدرات الجديدة على أساس القيمة التي ينبغي أن نجاهد من أجلها. وبالتأكيد يتطلب مثل هذا العمل الكثير من البرامج الفكرية والإعلامية التي يُفترض أن تصنع الوعي المنسجم مع الحركة السياسية للقيادة وهي تتصدى لهذا النوع من التحديات.

 

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center