Home مقالات

تغيير المجتمع يتحقّق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ولكن الشيطان يكمن في التفاصيل

تغيير المجتمع يتحقّق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ولكن الشيطان يكمن في التفاصيل

السيد عباس نورالدين

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضتان إلهيتان من أعظم الفرائض، حيث جاء في أحاديث أهل الذكر أنّ جميع أعمال البر إنّما هي كنفثة في بحرٍ لجّي إذا ما قورنت بهاتين الفريضتين العظيمتين، وأنّه بهما تُقام الفرائض.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما وسيلة الإسلام للإصلاح والتقدم، التي تعبر عن حرص المسلم على إشاعة الفضيلة والجمال والخير والإحسان في المجتمع، مثلما تعكس حرصه الشديد على منع الرذيلة والقضاء على الفساد والمنكر؛ فأي مجتمع لا يمكن أن يستقيم ويزدهر ويطيب العيش فيه إلا حين يتسابق أهله على طريق الفضيلة، مجتنبين بذلك كل أشكال الرذيلة.
إنّ هذه الرؤية الاجتماعية هي القاعدة المتينة لفهم قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فما من إنسان سويّ في هذا العالم إلا ويتوق ويصبو لمثل هذا المجتمع المثالي، ويحلم كل يوم ويتمنى أن يتحقق ويصبح واقعًا؛ إلا أنّ أكثر الناس لا يدركون أنّ الوسيلة الأساسية لتحقيق هذا الأمر تكمن بازدهار هذه الفريضة وشيوعها بين الناس والعمل بها كواجبٍ شرعي إلهي له شروطه وتفاصيله. إنّ اهتمام الناس وحرصهم على بعضهم البعض من خلال إقامة هذه الفريضة يتجلى بعشرات المظاهر والوسائل: من الحديث عن الحقيقة وبيانها، وصولًا إلى النصيحة والحثّ والرفض والأمر والاعتراض، وإلى أشكال كثيرة للتعبير عن هذا الحرص وهذا الاهتمام. وكلما كانت الفضيلة أعظم، يُفترض أن يكون الحرص عليها أشدّ؛ وكلما كان المنكر أفظع، وجب أن يكون النهي عنه أقوى. فالتساهل بشأن هذين الأمرين يؤدي تلقائيًّا إلى استخفاف الناس بالمعروف وانزلاقهم نحو المنكر.
ما من شيء يحفظ الناس في اتّصالهم بالمعروف وابتعادهم عن المنكر مثل هذا التناصح والتعاضد والتكاتف الذي يظهر بتلك الأشكال التعبيرية المختلفة. ولا يمكن أن نحقق مجتمعًا تزدهر فيه الفضيلة وتزول فيه الرذيلة من دون قيام الناس بهذا الدور الأساسي.
وفي المقابل، هناك من يُشيع اليوم أفكارًا عجيبة من قبيل أنّه ينبغي لكل إنسان أن يعيش حرّيته كما يحلو له، ولا ينبغي التدخل في شؤون الآخرين؛ فليحب الناس ما يحبّون، وليفعلوا ما يفعلون، ويختمون هذه المقولة قائلين: "طالما أنّهم لا يضرونك"، فهل يمكن ذلك؟!
إن أردت أن لا يضرك الناس وأن لا يتحركوا نحو الفساد الاجتماعي ويتسببوا بأذى الآخرين، عليك أن تساعدهم على ذلك، ولا يحصل ذلك إلا بأن تتدخل في بعض شأنهم الذي له ارتباط بغيرهم. فالتفلت والانعتاق من الضوابط والقيود والأنظمة سيؤدي حتمًا إلى الإضرار بالآخرين. لا يوجد شيء اسمه حرية مطلقة متفلتة؛ الحرية المطلقة تكون في سير الإنسان من دون قيود على طريق الفضيلة، لا في سيره العابث والمتحيّر.
الحرية المطلقة تعني إزالة الموانع من على طريق السير التكاملي للفرد والمجتمع؛ والذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وينصحون الناس بالفضائل والتوجّه إلى الحقائق والالتزام بالأخلاق والسلوك الحسن والعبادات الواجبة هم في الواقع من يعمل على إزالة هذه الموانع، لأنّ أول أثر لفعلهم هذا هو تقوية الدافع نحو هذه الفضائل والحد من الاندفاع نحو المنكرات. فالمانع الأول أمام سير الإنسان نحو الفضيلة والكمال هو ضعف الدافع الإيجابي؛ وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نحثّ ونشجع بعضنا بعضًا على ذلك، حتى لقد جاء في كلام أمير المؤمنين (ع): "وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ‏ تَكُنْ‏ مِنْ أَهْلِه‏".[1]
إنّ سعي الإنسان لحث الناس على المعروف يقوي ارتباطه بالمعروف ويزيده شوقًا إليه. وهكذا أيضًا إذا كان ممن ينهى عن المنكر بكل أشكاله، فإنّه سيتأثر أكثر ويجتنب المنكر لأنّه سيراه أقبح يومًا بعد يوم.  

ولكن إذا أردنا أن نجعل هذه الفريضة فعّالة ومؤثرة في هذا الواقع الاجتماعي الذي نعيشه اليوم ـ والذي يمتلئ بكل أشكال الموانع الفكرية والعقبات السياسية والاجتماعية، التي نشأ أكثرها بفعل الانبهار بثقافة الغرب ـ لا بد لنا أولًا من القضاء على حالة الاستخفاف والجهل بقضية المعروف ودوره في الصلاح الاجتماعي، وبيان حجم الكارثة من جراء الإقبال على المنكر والتساهل بشأنه.
نجد أنّ الثقافة الغربية قد فقدت القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين الحسن والقبح، والفضيلة والرذيلة لتهاوي فلسفتها ورؤيتها الكونية، وضياعها في متاهات نظرية المعرفة، وغلبة النزعة البراغماتية على روحانيتها؛ ما أدى إلى تعاملهم مع قضية عظيمة كقضية الفضيلة والرذيلة باستخفاف، بعد أن يئسوا من إمكانية تغيير البشر. في حين أنّ هذا كله بعيد عن التجربة الإسلامية التي أرست دعائم المعرفة والتمييز بين الحسن والقبح وطرحت منظومتها القيمية الثابتة.
لا شك بأنّ نجاحنا على المستوى الاجتماعي يعتمد على وجود خطة حكيمة للتغيير والإصلاح؛ وافتقادنا لهذه الخطة هو الذي يجعل كل فعل يندرج تحت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متخبطًا وفاشلًا. وأول ما نحتاج إليه في هذه الخطة هو تحديد الأولويات في دائرتي المعروف والمنكر.
إنّ معرفة الحقائق الكبرى المصيرية والإيمان بها وتعظيمها تأتي أولًا. يأتي بعدها قضية القيم الأخلاقية والمعنوية، والتي غالبًا ما تنبع من تلك الحقائق الأساسية؛ هذه القيم التي يُفترض أنّها تنتظم فيما بينها لتشكل منظومة متكاملة تتحدد فيها الأولويات القيمية ـ ما يأتي أولًا وما يتبع وما يتفرع؛ أضف إلى ذلك دور الواقع والمقتضيات المكانية في هذا المجال. من ثمّ يأتي دور الواجبات الشرعية التي بدورها ذات درجات وأولويات؛ يليها دور المحرّمات الواضحة الجليّة (من الكبائر إلى الصغائر)، وتأتي فروع الفروع والتفاصيل، التي يمكن أن يحصل فيها الاختلاف في الاجتهاد بين المراجع، في آخر سُلَّم الأولويات لا في أوّلها.
لقد وجدنا في تجارب بعض المجتمعات المسلمة المعاصرة كيف يجعل البعض من تفاصيل حجاب المرأة (لا أصله) شعارًا أساسيًّا لحركته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح الاجتماعي، ويعلنه كهدفٍ أولي وأساسي، رغم أنّه يرى ويسمع عن وجود أشكال من المنكر أفظع بكثير، كوجود طبقة فاسدة في الحكم والمؤسسات العامة تنهب أموال الشعب وتمنع بروز الطاقات وتقضي على القابليات ويؤدي آداؤها إلى إيقاع البلد المسلم في أحضان أعدائه. ففساد هذه الطبقة هو أشد وأفظع بكثير من وجود عيوب أو نقائص في حجاب هذه المرأة أو تلك، مع ذلك نجد هؤلاء يقولون إنّ قضية الحجاب في المجتمع هي أولى الأولويات، بل يقولون إنّ سوء الحجاب هو أشد على السيدة الزهراء (ع) من قتل ولدها الحسين (ع).
وهكذا يرسم هؤلاء أولويات خاطئة تؤدي إلى فشل مهمتهم، بل إلى فشل الجميع؛ وذلك لانشقاق وانقسام معسكر القيم على نفسه أولًا؛ ولأنّ ردّة فعل الناس تجاه هذه الفئة من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ستكون عكسية ثانيًا؛ حيث سيرونهم جزءًا من المشكلة التي يتسبب بها أولئك الفاسدون في الحكومة، فيقولون إنّ هؤلاء إنّما يريدون أن يُعموا الأبصار عن المشكلة الأساسية؛ وتكون النتيجة أنّهم يصرّون على الاستخفاف بالحجاب كنوعٍ من الاعتراض على الذين يسكتون عن الظلم والفساد الأكبر تحت حجّة الاهتمام بالحجاب وأمثاله.
إنّ أهم عامل لفشل حركة المؤمنين الحريصين في المجتمع ـ وهم بصدد ترويج الفضائل والمعروف ومحاربة الرذيلة والمنكر ـ يرجع إلى هذا الخلل المرتبط بالأولويات. فإذا أردنا أن ننجح في إقامة المجتمع الذي تزدهر فيه الفضائل، يجب أن نحدّد الأولويات وأن نعمل على أساسها. فإصلاح الطبقة الحاكمة من القادة والمسؤولين والعاملين في مختلف المؤسسات المرتبطة بالشأن العام يجب أن يكون مقدّمة أساسية لتحقيق أهداف هذا المشروع. ولا تصلح هذه الطبقة إلّا بعد أن تقوم أعمالها على أسس عقائدية وفكرية متينة تظهر بصورة الأطروحة المتكاملة. فمصيبة هذه الطبقة تتجلى في جهلها بالمشروع الإسلامي والفكر الديني العميق وبالرؤية الإلهية للحياة. إنّ أكثر الذين يفسدون ويظلمون من هذه الطبقة المتدينة لا يفعلون ذلك عن عمد، خصوصًا في إطار التجربة الإسلامية المعاصرة؛ أكثر هؤلاء يرتكبون الأخطاء نتيجة جهلهم ذاك. ولذلك كانت إشاعة الحقيقة وتعميق الفكر الديني أَولى أولويات مشروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لقد شاهدنا وزراء ومسؤولين ومدراء يعملون ليل نهار، لكنّهم يسيرون على غير هدًى لأنّهم لم يدركوا طبيعة وماهية المشروع الإلهي لإعمار الأرض وإصلاح الناس. انظروا إلى مسؤولي التربية والتعليم، الذين يتمتع أغلبهم بهذا الحرص على الناس والأجيال، تجد معظمهم يتوقون إلى ترويج العلم وتطوير البلد على المستوى العلمي وبناء الطاقات الشبابية الفاعلة، لكنّهم بسبب جهلهم بكيفية تحقيق هذا الأمر وجهلهم بالرؤية الدينية الإلهية للعلم والتعليم يفسدون أكثر مما يصلحون، ويقمعون أكثر مما يربون، وها هو أكثر نتاجهم إلى الأعداء.
إنّ مشكلة بعض الذين يقاربون قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعيدًا عن البعد الاجتماعي، هي أنّهم لم يعرفوا إلى أي مدى ابتعد الناس والكوادر عن فهم الإسلام، وهم يصرون على التعاطي مع المجتمع المسلم في هذا العصر وكأنّه ما زال يعيش قبل عدة قرون، حيث لم تكن السذاجة مؤثرة إلى هذا الحد في الصراع بين الأمم. فهم يقولون إنّ المسلمين مؤمنون بالفطرة، ولا يختلفون كثيرًا عن مسلمي عصر الرسالة، وإنّ تلك الإشكاليات الفكرية والمذهبية والكلامية إنّما كانت صنيعة حكّام الجور، لذا كل ما كان يندرج تحت الفكر والتعمق لا قيمة له لأنّه مجرد إلهاء.
لقد حصر هؤلاء قضايا الفكر والعقيدة والرؤية الكونية بدائرة النزاعات الكلامية القديمة، ولم يدركوا أنّ وراء هذه النزاعات عالم واسع من الأفكار المرتبطة بالحياة والوجود والمصير والإنسان والكمال. فأولئك الذين تخرجوا من مدرسة النزاعات الكلامية، إما أن ينجروا وراء هذه الجدالات العديمة الفائدة، وإما أن يستخفوا بها ولا يعتنوا بأي شيء يرتبط بها؛ لكنّهم في كلا الحالين يكونون قد ابتعدوا عن عمق الإسلام وعن إدراك وجود رؤية معرفية عميقة وواسعة وشاملة هي أساس بناء الحضارة والمجتمع؛ وهي القضية الأولى التي ينبغي التركيز عليها اليوم إن أردنا أن ننطلق في مشروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإصلاح المجتمع والتقدّم به: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}.[2]

 

[1]. نهج البلاغة، ص 392.

[2]. سورة آل عمران، الآية 110.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه. بدأ رحلته مع الكتابة والتدريس في سنٍّ مبكر. ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center