Home مقالات

حين تصبح الأرض ضحية خيارات الشيطان

حين تصبح الأرض ضحية خيارات الشيطان

السيد عباس نورالدين

لطالما كنت أجد أنّ الشيطان اللعين يضع الناس أمام خيارين لا ثالث لهما، لأجل تعمية الخيار الثالث الذي غالبًا ما يكون هو الحل؛ ومن جملة ذلك ما يحدث اليوم حين يجري الحديث عن البيئة والأرض، ويحتد النقاش بين خيارين: الأول يدور حول ضرورة أن نترك الطبيعة على رسلها، لأنّها قادرة على إصلاح نفسها بنفسها ولأنّ تدخل الإنسان أينما وُجد كان عاملًا سلبيًّا أكثر منه إيجابي؛ والثاني يركز على ضرورة تدخل البشر لإصلاح الفساد قبل فوات الأوان. هذا في حين أنّ الأمر لا يدور بين التدخل وعدمه، بل في نوعية التدخل ومنهجه. وقبل أن نتحدث عن الخيار الثالث، لا بأس أن نتوقف عند الخيارين الأولين ونتأمل فيهما ونتعرف إلى أهم نقاط الضعف والقوة فيهما.
هناك ما لا يُحصى من الشواهد التي تبين أنّ تدخل الإنسان في الطبيعة كان عنصرًا هدّامًا ومخرّبًا ومفسدًا، وأنّ الإنسان مهما حاول، لا يمكنه إلا أن يخرّب نظرًا لجهله بعالم الطبيعة وأسراره. وفي المقابل، وبحسب رأي هؤلاء، تمتلك الطبيعة القدرة والقابلية التامة لإصلاح ما فسد بشرط قطع يد الإنسان عن أي تدخل.
 خذ على سبيل المثال مدينة تشيرنوبيل الأوكرانية، التي تعرّضت لتسرّبٍ إشعاعيّ كبير بعد انفجار إحدى المفاعل في محطتها النووية عام 1986م. لقد أدى هذا الانفجار إلى سلسلة من الحوادث المؤسفة التي هددت حياة سكان المنطقة بأسرها مما استلزم عملية إخلاء فوري لكل القاطنين فيها، وما زالت هذه المنطقة محظورة إلى يومنا هذا؛ إلا أنّ المراقبين قد لاحظوا، بعد مرور حوالي ثلاثين سنة، أنّ هذه المنطقة عادت إلى الحياة بكل أشكالها خلا الإنسان، وقد أصبحت عامرة بعشرات الكائنات الحية من الغزلان والأرانب والذئاب؛ هذا رُغم عدم وجود أي تدخّل للإنسان في عملية الإصلاح هذه. يعتبر مؤيدو هذا الخيار التدخل البشري مدمّرًا للبيئة، حتى لو انطلق من نوايا حسنة وإصلاحية.
أما أصحاب الخيار الثاني، فيعتقدون بضرورة تدخل الإنسان، ويؤمنون بأهمية ذلك ودوره في إصلاح الطبيعة؛ ويقدم هؤلاء شواهد عديدة على عمليات ناجحة أدت إلى استحداث آلاف الهكتارات من الغابات والمناطق الطبيعية الخلابة. فقضية محمية يلوستون، التي قامت إدارتها بجلب مجموعة من الذئاب ووضعها فيها، خير شاهد على ذلك؛ تغيرات دراماتيكية مذهلة حصلت في كل المحمية. لقد شاهد الناس بأم العين كيف ازدهرت هذه الغابة بسهولها وأشجارها وأعشابها وحتى أنهارها، حين تدخل الإنسان وأدخل عنصرًا مهمًّا في التوازن البيئي. وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدل على الفارق النوعيّ الذي يمكن أن يحدثه الإنسان في الطبيعة، إن هو أحسن التدخل. لذا يرى هؤلاء أنّ عليهم التدخّل للإصلاح والمسارعة إلى الحد من مستوى انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون وغاز الدفيئة والملوّثات الصناعية، والكثير من المركَّبات التي ابتكرها الناس والتي تحدث تأثيرات شديدة الخطورة في الطبيعة.
 في الواقع، إنّ النقاش هنا يطول ولا ينتهي لأنّ الحكم على الطبيعة لن يقوم به سوى الإنسان نفسه، ولا يمكن أن نفترض عدم تدخل الإنسان إلا إذا لم يكن موجودًا. وربما نجد من أهل الفلسفة من يؤيد فكرة عبثية الحياة البشرية ولغويتها.
 إنّ المدخل الصحيح لمثل هذا النقاش يستوجب أولًا أن ننطلق من بناء فلسفة صحيحة وعميقة حول الوجود البشري وغايته وموقعه في هذا العالم الأرضي ودور الحياة الدنيا والأرض في تحقق هذه الغاية.
إنّ أصحاب الخيار الأول يدعون من حيث لا يحتسبون إلى إلغاء الإنسان ومبررهم واضح، فأينما تدخل هذا الإنسان وجدنا الآثار السلبية تفوق الإيجابية؛ وما من منطقة آهلة بالسكان إلا وتعاني من شتى أنواع التهديم والتلوث البيئي. وبعقيدة هؤلاء لا يمكن للإنسان إلا أن يكون عنصرًا سيئًا بخلاف جميع الكائنات الحية الأخرى. ويتضمن هذا الكلام حلًا بسيطًا يدعو إلى إبادة البشرية كحلٍّ وحيد لمشكلة هذه الحياة على الأرض. ربما لا يدعو هؤلاء إلى تبني خيارات مالتوسية مهولة، لكن نتاج دعوتهم هذه من الناحية العملية والقيمية يصب فيما يمكن أن نعبّر عنه بكراهية الإنسان. وسوف تتجلى هذه الكراهية في عبثية الزواج والإنجاب وتأسيس الأسرة، لتمتد إلى كل مناحي الحياة البشرية. لأجل ذلك، كان لا بد من حسم قضية المغزى من وجود هذا الإنسان قبل أي شيء وتحديد الموقف الدقيق من وجوده على هذه الأرض.
فوفق الرؤية الإسلامية، يكون لوجود الإنسان في الطبيعة هدف أعلى مبني على فلسفة عميقة للحياة والمصير؛ وقد تحدثت عن هذه الفلسفة بشيء من التفصيل في كتاب "معادلة التكامل الكبرى"، وتبين لنا أنّ الإنسان قد خُلق لأجل الطبيعة، مثلما أنّ الطبيعة والأرض خُلقتا لأجل الإنسان.
 وحين يجعل الإنسان نفسه لأجل الطبيعة إصلاحًا وتطويرًا وتبديلًا إلى شيء أسمى وأرقى، يسلك بذلك طريق كماله ويبلغ بذلك الغاية من وجوده.
إنّ الطبيعة بحاجة إلى الإنسان وهي المجال الحيوي لظهور جماله وعظمته؛ كما أنّ الإنسان بحاجة إلى الطبيعة لتكون مهد تكامله؛ وعليه، لا ينبغي أن نضحي بأحدهما من أجل الآخر.
لذا نقول بضرورة تدخّل الإنسان في الطبيعة، لكننا نختلف مع أصحاب الرأي الثاني في تحديد هذا الإنسان ومواصفاته وطريقة عمله ومنهاجه. فإذا كان الإنسان هو ذلك الكائن البشري وفق التصور الغربي ونمط عيشه وطريقة تفكيره، الذي ينتج العلوم والمعارف المبنية على التجربة، فإنّنا نقول بأنّ تدخّل الإنسان سيكون حتمًا عنصرًا مخربًا بالعموم، حتى لو كان مفيدًا في بعض الحالات الجزئية.
 ولأجل ذلك، فإنّ الإنسان الحقيقي وفق الرؤية الكونية الإسلامية هو ذاك الذي اتّصل بوحي السماء وتلقى علومه المرتبطة بالأرض والتعامل معها من خالق الأرض، الذي يعلم ما يصلحها وما يفسدها. وبخلاف ما يظن الكثيرون، فإنّ علوم الأرض ليست تجريبية، ولم تُترك للإنسان نفسه، وإن كانت تتأثر بالتجربة. ويجب أن تخضع التجربة هنا للعقل المجرد، كما أنّ هذا العقل يدعو إلى الاتّصال بالوحي والتلقي منه.  
فالأمر لا يدور بين الانسان والطبيعة، بل بين هذا الإنسان وذاك الإنسان! والمشكلة لم تكن بسبب تدخل الإنسان، وإنّما بسبب الجهل وحصر المعرفة بالتجربة والانقطاع عن العلم الإلهي، الذي جاء الأنبياء من أجل تعبيد طريقه أمام الناس. ولكن لمّا كان الفكر الغربي عمومًا عاجزًا عن تصوّر إنسان آخر غير الإنسان الغربي، ويرى أنّ النسخة الأعلى للإنسانية هي تلك التي تتبلور وتتشكل في ظل الثقافة الغربية، فمن الطبيعي أن لا يقدر على تصور إنسان آخر فضلًا عن أن يؤمن بوجود طرق أخرى للتعامل مع هذه الأرض. هذا في الوقت الذي نؤمن نحن بأنّ هذا الإنسان الذي أُوكلت إليه مهمة الخلافة على الأرض ومهمة تدبير الأرض وإصلاحها وتكميلها وحتى تبديلها إلى أرض أعظم وأرقى، هو ذاك الكائن الأرضي الذي يتلقى العلم الذي يحتاج إليه في هذه المهمة من الخالق العارف بحقيقة الأرض وما يُصلحها.

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة
فيديوهات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center