Home مقالات

ما العمل لجعل مذهب التشيّع متفوقًا.. السيد عباس نورالدين يكمل الحديث عن مستقبل التشيع كمذهب عالمي

ما العمل لجعل مذهب التشيّع متفوقًا

السيد عباس نورالدين يكمل الحديث عن مستقبل التشيع كمذهب عالمي

أن تكون عالميًّا لا يعني بالضرورة أن تكون على هدى أو أن تمتلك الحقيقة؛ فقد تعرض مذهبك أو مدرستك ضمن الأطر والقوالب الفطرية، فيُقبل الناس عليها أفواجًا أفواجا، ليكتشفوا فيما بعد خواء ما هو خاوٍ منها أو كذب ما كان مناقضًا للادّعاء. فالدعاية هي فن تجميل القبيح، وهي صناعة كبرى تنفق فيها مئات مليارات العملة الصعبة سنويًّا؛ لكن أن تكون على حق وأن تكون مؤمنًا وتابعًا لمذهبٍ جامعٍ للكثير من الأمور التي يحتاج إليها الناس بحسب فطرتهم، يوجب عليك انطلاقًا من إنسانيتك أن توصل لهم هذه البضاعة الجميلة التي تعرفت إليها وخبرتها؛ ولكي تفعل ذلك تحتاج إلى عرضها بطريقة جذابة وسلسة وعالمية.
والمقصود من "العالمية" هو البيان الذي يفهمه الجميع مع اختلاف ثقافاتهم. ونحن نعتقد بوجود مثل هذا البيان اليوم. وأفضل إثبات عليه هو هذا الإعلام الهوليوودي الذي أصبح لغة عالمية يحتذي بها الجميع أينما كانوا، حين يريدون إيصال نتاجاتهم وأفكارهم وتقاليدهم إلى العالم كله.
إنّ الأصول والإمكانات المعرفية والروحية الموجودة عند الشيعة ليست بعيدة عن اللغة العالمية بتاتًا؛ بل إنّنا نعتقد بأنّها ستتحول ذات يوم إلى لغة عالمية بحدّ ذاتها. وما علينا اليوم إلا أن نخاطب الناس بلغتهم ونذهب إليهم حتى يفهموا لغتنا ويأتوا إلينا.
يحتاج الناس إلى رؤية كونية شاملة وعميقة وعقلانية تجيبهم عن الأسئلة المصيرية، التي قلما يجدون لها إجابات واضحة ومفهومة. وهذا ما يتوافر عليه المذهب الشيعي الشديد التوغل في العقليات والمتصل بوحي السماء ـ من خلال مؤسسيه الذين تمتعوا بخاصية هذا الاتّصال المباشر.
إنّ ما نحتاج إليه هنا هو العمل على بلورة هذه الرؤية الكونية بالطريقة التي تسمح لها بالانتشار الواسع على مستوى العالم كله؛ وذلك بعرضها في قوالب وأساليب الأعمال الأدبية والفنية، التي هي أفضل وسيلة لتحقيق ذلك. وهنا تقع المسؤولية الكبرى على المفكّرين الشيعة الكبار الذين لهم إحاطة مهمة بهذا التراث، وينقصهم مهارات هذه اللغة والوسيلة العالمية وإتقانها.
كما يحتاج العالم للتعرّف إلى روحانية عميقة تتصل بعمق أزماته وحاجاته ومعاناته، التي تزداد يومًا بعد يوم نتيجة غلبة تيار العبثية والهذيان وبسبب صخب ضجيج الروحانيات السطحية وهيمنة أسواق البضائع المعنوية المزيفة.
ويمتلك الشيعة مجموعة من المصادر العظيمة في هذا المجال، يمكن أن تشكّل القوة الدافعة الكبرى لروحانيتهم المتفوقة العظيمة الشاملة؛ منها، بالإضافة إلى القرآن الكريم، كتاب الصحيفة السجادية الذي لا يوجد له نظير في هذا المجال في أي مكان أو مذهب في العالم كلّه.
وممّا يؤسف له هو أنّ الشيعة أنفسهم لم يقدموا لحدّ الآن على طباعة ونشر هذا الكتاب البهي في أوساطهم، بالصورة التي تليق بشأنه رغم وجود كل الإمكانات اللازمة لذلك؛ هذا، فضلًا عن هشاشة معظم الأعمال المرتبطة به. فترى نوعية حضوره سببًا لجعل الناس يزهدون به ويستخفون بأمره.
ويحتاج الناس إلى رؤية حجم النتاج الفكري الذي يجري على قدم وساق داخل البيئة الشيعية الناشطة وعلى يد عشرات المؤلفين والمفكرين والباحثين،الذين يعيش معظمهم في واحات شبه معزولة فرضها واقع عدم وجود مؤسسات تُعنى بهذا النتاج المهم وتتعاطى معه من موقع الأبوة والمسؤولية. فلو وُجدت مؤسسة واحدة تهدف إلى الترويج للفكر الشيعي في العالم، لسرعان ما ظهر الحجم الكبير لهذا النتاج ولذهل القريب والبعيد من روعته (رغم وجود عشرات الملاحظات التي يمكن توجيهها هنا)؛ والأهم من ذلك كله، هو ما سيؤدي إليه هذا النوع من الأعمال المؤسساتية على مستوى دفع هذه الحركة الفكرية والارتقاء بها إلى مديات غير مسبوقة.
المؤسسات الأبوية تتعامل مع المفكرين كأبناء لا كمنافسين، تسعى لتهميشهم من خلال إيجاد وترويج البدائل، عبر الاستفادة من الإمكانات المالية الضخمة. فأن تكون أبًا يعني أن تسمح بهامش من الخطأ والاختلاف، لأجل تربية وإعداد وتطوير أبنائك بدل عزلهم والقضاء عليهم.
لقد أسّس أصحاب الإمكانات مؤسسات كانت أبعد ما يكون عن هذه الرعاية والعناية، فأصبحت سببًا لتعطيل وإبطاء الإنتاج الفكري من خلال إشعار الناس بالشبع الوهمي. وهي تصدر كل سنة عددًا كبيرًا من الأعمال والكتب والمنشورات التي لا تنطلق من روح البحث العلمي ومستلزمات نجاحه وارتقائه.
ينكل العديد من أصحاب الفكر عن تقديم الجديد والمتطور والنافع، لأنّهم لا يرون مجالًا لنشر أفكارهم وترويجها؛ والأسوأ من ذلك أنّهم لا يشاهدون ترددات أصداء أفكارهم في أي ناد أو مجال، إلا إذا خالفوا ليُعرفوا أو جاؤوا بشيءٍ عجيب.
لقد ابتُليت المجتمعات الشيعية بهذا الصمم والجمود، الذي قلّ نظيره في المجتمعات الأخرى، وخصوصًا على مستوى القرار والتخطيط. وهذه نقط عيب كبرى، نحمّلها أكبر المسؤولية عن كل هذا الكبت وقلة الإنتاج والسطحية.
لطالما أشرنا إلى أنّ نقطة الانطلاق الأولى تكمن في القيادة التي ينبغي أن ترعى مثل هذه الحركة الفكرية وتوجهها وتأخذ بيدها وتدعمها وتنشرها وتروج لها؛ وكل هذا ليس بالأمر الصعب، لأنّ ما يحتاج إليه المفكّرون من أهل القلم هو أن يتعرّف الناس إلى نتاجاتهم في بيئة إيجابية مفعمة بالاهتمام. فلو أقام المعنيون من أصحاب الإمكانات جوائز سنوية حقيقية لأفضل الأعمال الفكرية السابقة والحالية، لتحقق ذلك كله.
وما لم تولِ القيادات الحالية هذه المسألة المحورية الاهتمام اللازم، فسوف يأتي الله بقيادات أخرى في المستقبل، تؤمن بالناس وهم العامة، كما تؤمن بالنخب وهم الخاصة؛ قيادات قوية ثورية لا تعيش صراع أولويات في تقديم فئة على أخرى.
إنّ التوجه إلى العالمين، ومع توفر كل هذه الوسائل والوسائط التكنولوجية، أصبح ممكنًا جدًّا؛ ولكن هذه الوسائل لا تصبح ميسرة للأفراد إلا بعد تكييفها على يد المبرمجين الذين يجب وضعهم في إطار مؤسساتي تدعمه جهات مقتدرة ويعمل على المدى البعيد. فكما كان الكاتب في العصر الفائت يحتاج الى دور النشر التي تمتلك موارد إضافية لنشر أعماله، فهو اليوم بحاجة إلى مجالات الشبكة العالمية المختلفة لترويج نتاجه على مستوى العالم.
إنّ إيجاد هذه المجالات يتطلّب إنفاقات كبيرة، أضحت تفوق إمكانات دور النشر التقليدية بكثير. فإذا أردنا أن نطوّع وسائط تواصل اجتماعية لتكون في خدمة المفكرين والدعاة والمبلغين والمرشدين الإسلاميين، فإنّنا بحاجة إلى تشكيل قواعد تكنولوجية وبرمجية تتطلّب دعمًا على مستوى الدول والوزارات.
 وهذا ما ينطبق أيضًا على السينما الإسلامية التي لا يمكن أن ترتقي إلى مستوى المنافسة العالمية إن بقيت بهذه الصورة المبعثرة؛ التي تنتظر شركاتها، المتناظرة والمتشابهة إلا بالأسماء، فتات أنواع الدعم أو التمويل. فالسينما صناعة كبيرة تقوم على وجود العديد من المؤسسات المتضافرة لا المتناظرة، التي تتخصّص كل واحدة منها في مجال يرتبط بمستلزمات هذه الصناعة.
فنحن بحاجة إلى مؤسسات تُعنى بتطوير وتفعيل وتعميق الكتابة السينمائية من حيث المضمون أولًا، وقبل أي شيء من حيث التقنيات والآليات.
كما أنّنا بحاجة إلى مؤسسات تعنى بالموسيقى التصويرية وكل أشكال فنون الصوتيات وتقنياته التي هي غاية في الأهمية لهذه الصناعة.
ونحن بحاجة إلى مؤسسات تتخصص في المؤثرات البصرية التي تتفرع إلى عشرات الشؤون والمجالات. وهكذا، سوف نجد أنفسنا أمام صناعة عظيمة متشابكة ومعقدة، لكنّها ستؤدي في حال اكتمالها إلى تقديم سينما إسلامية عالمية، لا أظن أنّ هناك من يقدر على تصور آثارها ونتائجها المعنوية والفكرية.
هل يعجز القادة عن تصور مستلزمات هذه الصناعة؟
ومن الذي يمكن أن يقدم لهم هذا المشروع بصورته الشاملة وإطاره الإداري التخطيطي الواعي، ليتجاوز إشكالية احتياطهم في إنفاق المال حين يأتي دور الأعمال الثقافية، كما تجاوزوها في صناعة الصواريخ المدمرة، التي سيكون معظم نتاجها بلا استعمال؟!
هذا غيض من فيض القضية. وقديمًا قال الإمام علي عليه السلام: "ولكن لا رأي لمن لا يطاع"؛ فحين يجد المفكّر نفسه معزولًا عن دوائر القرار المشغولة بالجزئيات واليوميات، لن يجد في نفسه دافعًا لكي يبالغ في النصيحة، بل يكتفي بالإشارات التي قد يلتقطها أهلها يومًا ما.

 

كتب ذات صلة
مسموعات ذات صلة
مقالات ذات صلة

الكاتب

السيد عباس نورالدين

كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران : الفكر ...

© جميع الحقوق محفوظة
Powered by Octipulse - Mentis
العنوان
لبنان، بيروت، الكفاءات،
قرب مدرسة المهدي (الحدث)
بناية النرجس 1، ط 1.
هاتف +961 1 477233
فاكس +961 1 477233
البريد الالكترونيinfo@islamona.center